فصل: سورة التوبة

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏49- 52‏]‏

‏{‏إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ‏(‏49‏)‏ وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ‏(‏50‏)‏ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ‏(‏51‏)‏ كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ ‏(‏52‏)‏‏}‏

ولما استوفى ما كان يقطع به في حق أولئك مما هو من أنفسهم ومما هو من تزيين الشيطان، أبدل منه ما كان يقطع به في حقهم من أهل الجهل بالله وبأيامه الماضية وآثاره عند أوليائه وأعدائه فقال‏:‏ ‏{‏إذ يقول المنافقون‏}‏ أي من العرب وبني إسرائيل قولاً يجددونه كل وقت لما لهم فيه من الرغبة ‏{‏والذين في قلوبهم مرض‏}‏ أي ممن لم يرسخ الإيمان في قلبه ممن آمن ولم يهاجر أو من اليهود المصارحين بالكفر حين يرون الكفار وقوتهم وكثرتهم والمؤمنين وضعفهم وقلتهم ‏{‏غرَّ هؤلاء‏}‏ مشيرين إليكم ‏{‏دينهم‏}‏ أي في إقدامهم على ما يقطع فيه بهلاكهم ظناً منهم أن الله ناصرهم وهم ثلاثمائة وبضعة عشر إلى زهاء ألف ملوك العرب، فيغيظكم ذلك، فكذبهم الله وصدق أمركم بتوكلكم عليه وصبركم على دينكم ‏{‏ومن‏}‏ أي قالوا ذلك عالمين بأنكم متوكلون عليه وصبركم على دينكم ‏{‏ومن‏}‏ أي قالو ذلك عالمين بأنكم متوكلون على من تدينون له والحال أنه من ‏{‏يتوكل على الله‏}‏ أي الذي له الإحاطة الشاملة، فهو يفعل ما يشاء منكم ومن غيركم بشرطه من الإيمان والسعي في الطاعة كما فعلتم فإنه معز ومكرم‏.‏

ولما كان سبحانه محيطاً بكل صفة كمال على الإطلاق من غير قيد توكل ولا غيره، أظهر تعالى فقال عاطفاً على تقديره‏:‏ فإن الله قادر على نصره‏:‏ ‏{‏فإن الله‏}‏ أي الذي له الكمال المطلق ‏{‏عزيز‏}‏ أي غالب لكل من يغالبه فهو جدير بنصره ‏{‏حكيم*‏}‏ أي متقن لأفعاله فهو حقيق بأن يأخذ عدو المتوكل عليه من الموضع الذي لا ينفعه فيه حيلة‏.‏

ولما ذكر ما سرّهم من حال أعدائهم المجاهرين والمساترين في الدنيا مرصعاً ذلك بجواهر الحكم وبدائع الكلم التي بملازمتها تكون السعادة وبالإخلال بها تحل الشقاوة، أتبعه ما يسرهم من حال أعدائهم عند الموت وبعده، فقال مخاطباً لمن لو كشف الغطاء لم يزدد يقيناً، حادياً بتخصيصه بالخطاب كل سامع على قوة اليقين ليؤهل لمثل هذا الخطاب حكاية لحالهم في ذاك الوقت ‏{‏ولو‏}‏ أي يقولون ذلك والحال أنك ‏{‏لو ترى‏}‏ يا أعلى الخلق ‏{‏إذ يتوفى‏}‏ أي يستوفي إخراج نفوس ‏{‏الذين كفروا‏}‏ أي من هؤلاء القائلين ومن غيرهم ممن قتلتموهم ببدر ومن غيرهم بعد ذلك وقبله ‏{‏الملائكة‏}‏ أي جنودها الذي وكلناهم بهم حال كونهم ‏{‏يضربون‏}‏‏.‏

ولما كان ضرب الوجه والدبر أدل ما يكون على الذل والخزي، قال‏:‏ ‏{‏وجوههم وأدبارهم‏}‏ أي أعلى أجسامهم وأدناها فغيره أولى ‏{‏و‏}‏ حال كونهم يقولون لهم‏:‏ ذوقوا ما كنتم به تكذبون ‏{‏ذوقوا عذاب الحريق*‏}‏ أي لرأيتم منظراً هائلاً وأمراً فظيعاً‏.‏ فسركم ذلك غاية السرور، وما أثر كلامهم في غيظهم، فإنهم يعلمون حينئذ من الذي غره دينه و«لو» وإن كانت تقلب المضارع ماضياً فلا يخلو التعبير بالمضارع في حيزها من فائدة، وهي ما ذكر من الإشارة إلى أن هذا لا يخص ميتاً منهم دون ميت، بل لا فرق بين متقدمهم ومتأخرهم، من مات ببدر أو غيرها وليس في الكلام ما يقتضي أن يكون القائلون ‏{‏غر هؤلاء دينهم‏}‏ حضروا بدراً، بل الظاهر أن قائليه كانوا بالمدينة وتعبيرهم ب ‏{‏هؤلاء‏}‏ التي هي أداة القرب للتحقير واستسهال أخذهم كما أن أداة البعد تستعمل للتعظيم ببعد الرتبة، وعلى مثل هذا يتنزل قول فرعون بعد أن سار بنو إسرائيل زماناً أقله ليلة وبعض يوم كما حكاه الله عنهم

‏{‏إن هؤلاء لشرذمة قليلون‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 54‏]‏ على أن البغوي قد نقل في تفسير قوله تعالى ‏{‏يرونهم مثليهم رأي العين‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 13‏]‏ أن جماعة من اليهود حضروا قتال بدر لينظروا على من تكون الدائرة‏.‏ وإذا تأملت هذا مع قوله تعالى ‏{‏كدأب آل فرعون‏}‏ علمت أن جلَّ المقصود من هذه الآيات إلى قوله ‏{‏ذلك بأنهم قوم لا يفقهون‏}‏ اليهود، وفي تعبيره ب ‏{‏لا يفقهون‏}‏ تبكيت شديد لهم كما قال تعالى في آية الحشر ‏{‏لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 13‏]‏‏.‏

ولما عذبوهم قولاً وفعلاً، عللوا لهم ذلك بقولهم زيادة في تأسيفهم‏:‏ ‏{‏ذلك‏}‏ أي هذا الفعل العظيم الذي يفعله بكم من العذاب الأليم ‏{‏بما قدمت أيديكم‏}‏ أي من الجراءة على الله ‏{‏وأن‏}‏ أي وبسبب أن له أن يفعل ذلك وإن لم تقدموا شيئاً فإن ‏{‏الله‏}‏ أي الذي له صفات الكمال ‏{‏ليس بظلام‏}‏ أي بذي ظلم ‏{‏للعبيد*‏}‏ فإن ملكه لهم تام‏.‏ والمالك التام المُلك على ما يملكه المِلك الذي لا شيء يخرج عن دائرة ملكه، وهو الذي جبلكم هذه الجبلة الشريرة التي تأثرت عنها هذه الأفعال القبيحة، وهو لا يُسأل عما يفعل، من الذي يسأله‏!‏ ويجوز أن يكون المعنى‏:‏ وليس بذي ظلم لأنه لا يترك الظالم يبغي على المظلوم من غير جزاء لكم على ظلمكم لأهل طاعته، وسيأتي في «فصلت» حكمة التعبير بصيغة تحتمل المبالغة‏.‏

ولما بين بما مضى ما يوجب الاجتماع عليه والرجوع في كل أمر إليه، وبين أن من خالف ذلك هلك كائناً من كان؛ أتبعه بما يبين أن هذا من العموم والاطراد بحيث لا يخص زماناً دون زمان ولا مكاناً سوى مكان فقال تعالى‏:‏ ‏{‏كدأب‏}‏ أي عادة هؤلاء الكفار وشأنهم الذي دأبوا فيه وداموا وواظبوا فمونوا عليه كعادة ‏{‏آل فرعون‏}‏ أي الذين هؤلاء اليهود من أعلم الناس بأحوالهم ‏{‏والذين‏}‏ ولما كان المهلكون لأجل تكذيب الرسل بعض أهل الزمان الماضي، أدخل الجار فقال‏:‏ ‏{‏من قبلهم‏}‏ وهو مع ذلك من أدلة ‏{‏فلم تقتلوهم‏}‏ لأن هؤلاء الذين أشار إليهم كان هلاكهم بغير قتال، بل بعضهم بالريح وبعضهم بالصيحة وبعضهم بالغرق وبعضهم بالخسف الذي هو غرق في الجامد، فكأنه يقول‏:‏ لا ينسب أحد لنفسه فعلاً، فإنه لا فرق عندي في إهلاك أعدائي بين أن يكون إهلاكهم بتسليط من قتال أو غيره، الكل بفعلي، لولا أنا ما وقع، وذلك زاجر عظيم لمن افتخر بقتل من قتله الله على يده، أو نازع في النفل، وهو راجع إلى قوله تعالى

‏{‏لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 23‏]‏ وفي ذلك حث على التمرن على عدم الاكتراث بشيء يكون للنفس فيه أدنى حظ ليصير ذلك خلقاً كما هو دأب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يضيف شيئاً من محاسنه إلا إلى خالقه إلا إن كان مأموراً فيه بالتشريع، بل يقول‏:‏ قتلهم الله، صرفهم الله، نصرنا الله، كفى الله، فإذا صار ذلك للمستمسكين به خلقاً أفضى بهم إلى مدح الخالق والمخلوق لهم كما قال كعب بن زهير رضي الله عنه في مدحهم‏:‏

ليسوا مفاريح إن نالت رماحهم *** قوماً وليسوا مجازيعاً إذا نيلوا

ثم بين تعالى الحال الذي شابهوا فيه من قبلهم بقوله‏:‏ ‏{‏كفروا بآيات الله‏}‏ أي ستروا ما دلتهم عليه أنوار عقولهم من دلالات الملك الأعلى وغطوها لأنهم لم يعملوا بها وصدوا عن ذلك من تبعهم، فكان جزاؤهم ما تسبب عن ذلك من قوله‏:‏ ‏{‏فأخذهم الله‏}‏ اي الذي له مجامع الكبر ومقاعد العظمة والعز أخذ غلبة وقهر وعقوبة ‏{‏بذنوبهم‏}‏ كما أخذهم فإنهم تجرؤوا على رتبة الألوهية التي تخسأ دون شوامخها نوافذ الأبصار، وتظلم عند بوارق أشعتها سواطع الأنوار، وتضمحل بالبعد عن أول مراقبها القوى، وتنقطع بتوهم الدنو من فيافيها الأعناق، فنزلت بهم صواعق هيبتها، وأناخت عليهم صروف عظمتها، فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم ولا تحس إلا ملاعبهم وأمكاكنهم‏.‏

ولما أخبر بأخذهم، علله بقوله‏:‏ ‏{‏إن الله‏}‏ أي الذي له الإحاطة الشامله ‏{‏قوي‏}‏ أي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء ‏{‏شديد العقاب*‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏53- 57‏]‏

‏{‏ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ‏(‏53‏)‏ كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ ‏(‏54‏)‏ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ‏(‏55‏)‏ الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ ‏(‏56‏)‏ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ‏(‏57‏)‏‏}‏

ولما كان كأنه قيل‏:‏ فما له يمهلهم ولا يعالجهم بالأخذ قبل النكاية في أوليائه وأهل وده وأصفيائه‏؟‏ قال‏:‏ ‏{‏ذلك‏}‏ أي الأخذ على هذه الحالة ‏{‏بأن الله‏}‏ أي بسبب أنهم غيروا ما في أنفسهم، وقد كان له سبحانه أن يأخذهم قبل أن يغيروا لعلمه بما في ضمائرهم، ولكنه تعالى أجرى سنته الإلهية لتمام علمه وكمال قدرته وإحاطته بجميع صفات الكمال بأنه ‏{‏لم يك‏}‏ هكذا كان الأصل، ولكن حذف اختصاراً تقريباً لبيان تعميم العلة وإبعاد للسامع من مثل ذلك، وحذف نون «يكن» إرشاداً إلى أن هذه الموعظة خليقة بأن يوجز بها غاية الإيجاز فيبادر إلى إلقائها لما في حسن تلقيها من عظيم المنفعة، لأن من خالفها جدير بتعجيل الانتقام ‏{‏مغيراً نعمة‏}‏ أي قلت أو جلت، وبين أنه لا نعمة على أحد إلا منه فقال‏:‏ ‏{‏أنعمها على قوم‏}‏ أي من أيّ طائفة كانوا ‏{‏حتى يغيروا‏}‏ أي يبدلوا ‏{‏ما‏}‏ يعتقدونه ‏{‏بأنفسهم‏}‏ بغيره مما هو غريزة لهم وهو حفي عنهم، يظنون اتصافهم بضده مما هو ظاهر لهم اتصافاً غريزياً ‏{‏وأنّ‏}‏ أي وبسبب أن ‏{‏الله‏}‏ أي الذي له الكمال كله ‏{‏سميع‏}‏ أي لما يكذبون به الرسل ولأقوالهم‏:‏ إن ما يظهرونه وصفهم الحقيقي ‏{‏عليم*‏}‏ أي بما تكّن ضمائرهم من غيره وإن جهلوه هم فيبتليهم ببلاء يظهر به ذلك المكنون ويبرز به كل سر مصون، فإذا تعلق به العلم ظاهراً علق به الحكم قاهراً لتمام قيام الحجة، ولتمام علمه بحالهم أمهلهم، وإنما يستعجل من يخاف أن تخيب فراسته أو يتغير علمه، وأما الذي علمه بالظواهر والضمائر على حد سواء فالحالتان عنده سيان، فهو يمهل لإتمام الحكمة ولا يهمل من استحق النقمة، وذلك التغيير الذي أظهره البلاء هو التكذيب بالحق عناداً والبعد عما كانوا يدعونه من العدل والمشي على مناهيج العقل والاستحياء من العناد، والتنزه من طرق الفساد، هكذا كانت كل أمة أرسلت إليها الرسل تدعي وما عندها من خلاف ذلك مستور في ضمائرها مكنون في سرائرها، لا تعلمه كما تشاهد أكثر من تعاشره، يظن في نفسه ما ليس فيها، وعند الامتحان يكذبه العيان، فلما جاءتهم الرسل وأوضحوا لهم الأمر إيضاحاً ليس معه، لبس فكذبوهم، غيروا ما كان في نفوسهم مما كانوا يزعمون؛ ثم كرر قوله‏:‏ ‏{‏كدأب آل فرعون‏}‏ أي فرعون وقومه فإنهم أتباعه فلا يخيل انهم يفعلون شيئاً إلا وهو قائدهم فيه ‏{‏والذين من قبلهم‏}‏- لدقيقة، وهي أنه قد تقدم أنه ما من أمة إلا ابتليت بالضراء والسراء، فالأولى ينظر إليها مقام الإلهية الناظر إلى العظمة والكبرياء والقهر والانتقام، والثانية ثمرة مقام الربوبية الناشئ عنه التودد والرحمة والرأفه والإكرام، لذا عبر في الأولى باسم الذات الجامع لجميع الصفات الذي لفظه- عند من يقول باشتقاقه- موضوع لمعنى الإلهية إشارة إلى أنهم أعرضوا في حال الضراء عن التصديق وعاملوا بالتجلد والإصرار، ولذا عبر في هذه الثانية باسم الرب فقال‏:‏ ‏{‏كذبوا‏}‏ أي عناداً زيادة على تغطية ما دل عليه العقل بالتكذيب بالنقل ‏{‏بآيات ربهم‏}‏ فأشار بذلك إلى بطرهم بالنعم وتكذيبهم أنها بسبب دعاء الرسل‏.‏

ولما أشار بالتعبير به إلى أنه غرهم معاملته بالعطف والإحسان، قال‏:‏ ‏{‏فأهلكناهم‏}‏ أي جميعاً ‏{‏بذنوبهم وأغرقنا‏}‏ فأتى بنون العظمه إشارة إلى أنه أتاهم بما أنساهم ذلك البر ‏{‏آل فرعون‏}‏ وإشارة إلى أنهم نسوا أن الرب كما أنه يتصف بالرحمة فلا بد أن يتصف بالعظمة والنقمة وإلا لم تتم ربوبيته، وهذا واضح مما تقدم في الأعراف عن التوراة في شرح ‏{‏فأرسلنا عليهم الطوفان‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 133‏]‏- إلى آخرها، من أن فرعون كان يسأل موسى عليه السلام عند كل نازلة الدعاء برفعها معتلاً بأن الرب ذو حلم وأناة ورحمة، وقدم الأولى إشارة إلى أنهم بلغوا الغاية في الجرأة، والتعبير فيها ب ‏{‏كفروا‏}‏ يؤيد لذلك، أي أن مجرد الستر للآيات بالإعراض عنها كافٍ في إيجاب الانتقام ولو لم يصرح بتكذيب لعظم المقام، ومادة كفر- بأيّ ترتيبة كان- تدور على الخلطة المميلة المحيلة، وبخصوص هذا الترتيب تدور على الستر، أي غطوا التصديق بآيات ربهم، ويجوز- وهوالأحسن- أن يكون دورانها- مطلقاً لا بقيد ترتيب- على الفكر، وهو إرسال عين البصيرة في طلب أمر ويلزمه الكشف والستر لأنه تارة يرفع أذيال الشبه عن ذلك الأمر فينجلي ويتحقق، وتارة يسلط قواطع الأدلة عليه فينعدم ويتمحق، وربما أرخى أذيال الشبه عليه فأخفى بعد أن كان جلياً كما كان شمرها عنه فألقى وقد كان خفياً‏.‏

ولما أخبر سبحانه بهلاكهم، أخبر بالوصف الجامع لهم بالهلاك فقال‏:‏ ‏{‏وكل‏}‏ أي من هؤلاء ومن تقدمهم من آل فرعون ومن قبلهم ‏{‏كانوا‏}‏ أي جبلة وطبعاً ‏{‏ظالمين *‏}‏ أي لأنفسهم وغيرهم واضعين الآيات في غير مواضعها وهم يظنون بأنفسهم العدل؛ ثم علل اتصافهم بالظلم أو استأنف بياناً له بقوله‏:‏ ‏{‏إن شر الدواب‏}‏ أي ظلموا لأنهم كفروا بآيات ربهم الذي تفرد بالإحسان إليهم وشر الدواب ‏{‏عند الله‏}‏ أي في حكم الحكم العدل الذي له الأمر كله وفي علمه ‏{‏الذين كفروا‏}‏ أي منهم ومن غيرهم، أي حكم عليهم بلزوم الكفر لما ركب فيهم من فساد الأمزجة لعدم الملاءمة للخير، فكانوا بذلك قد نزلوا عن رتبة الإنسان إلى رتبة مطلق الحيوان، ثم إلى دركة الحشرات والديدان بل العجلان، لأن شر الناس الكفار، وشر الكفار المصرون منهم، وشر المصرين الناكثون للعهود ‏{‏فهم‏}‏ أي بسبب ذلك ‏{‏لا يؤمنون*‏}‏ أي لا يتجدد منهم إيمان يستمرون عليه لما سبق من علم الله فيهم، فلم ينتفعوا بما أتاهم من صفة الربوبية فمحقتهم صفة الإلهية، ولعله إنما خص آل فرعون تذكيراً- لأكثر من كان يقول ‏{‏غرَّ هؤلاء دينهم‏}‏ وهم- اليهود- بأنهم كانوا بالنسبة إلى فرعون وآله أضعف من الصحابة رضوان الله عليهم بالنسبة إلى قريش وأتباعهم، فإن اليهود مع قلتهم عندهم كانوا قد دانوا لهم بذل العبيد لمواليهم بل أعظم، ومع ذلك فإنهم نصروا عليهم لما كان الله معهم، وإعلاماً لهم بأنهم الآن كآل فرعون في العناد مع ما هم فيه من القلة والذلة، فقد جمعوا من كل قوم أخس صفاتهم وأردأ حالاتهم، ولذلك أبدل من عموم ‏{‏الذين كفروا‏}‏ ‏{‏الذين عاهدت منهم‏}‏ وهم اليهود بلا شك، إما بنو قينقاع أو النضير أو قريظة أو الجميع بحسب التوزيع، فكل منهم نقض ما كان أخذ عليه صلى الله عليه وسلم من العهود، وأخلف ما كان أكده من الوعود‏.‏

ولما كان العهد جديراً بالوفاء ولا سيما من العلماء، عبر بقوله‏:‏ ‏{‏ثم ينقضون عهدهم‏}‏ أي يجددون نقضه كلما لاح لهم خلب برق أو زَور بطل يغير في وجه الحق؛ ثم عظم الشناعة عليهم بقوله‏:‏ ‏{‏في كل مرة‏}‏ ثم نبه على رضاهم من رتبة الشرف العلية القدر وهدةَ السفه والسرف بعدم الخوف من عاقبة الغدر بقوله‏:‏ ‏{‏وهم لا يتقون*‏}‏ أي الناس في الذم لهم على ذلك ولا الله في الدنيا بأن يمكن منهم، ولا في الآخرة بأن يخزيهم ثم يركسهم بعد المناداة بالعار في النار‏.‏

ولما أيأسه من تقواهم بما اشتملوا عليه من تكرير النقض الناشئ عن غاية الحسد وصلابة الرقاب وقساوة القلوب والقساوة على الكفر، أمره بما يوهن قواهم ويحل عراهم من إلباس اليأس بإنزال البأس كما جرت عادته سبحانه أنه يوصيه بالرفق ببعض الناس لعلمه أن عمله يزكو لبنيانه على أحسن أساس، فقال مؤكداً لأجل ما جبل عليه صلى الله عليه وسلم من محبة الرفق‏:‏ ‏{‏فإما تثقفنهم‏}‏ أي تصادفنهم وتظفرن بهم ‏{‏في الحرب‏}‏ أي التي من شأنها أن يحرب فيها المبطل، ويربح المحق المجمل ‏{‏فشرد بهم من خلفهم‏}‏ أي فنكل بهم تنكيلاً يصدع ويفرق عن محاربتك من وراءهم ممن هو على مثل رأيهم في المنافرة لك ولا تتركنهم أصلاً لأن أتباعك أمهر منهم وأحذق، فهم لذلك أثبت وأمكن، فإذا أوقعت بهم ذلك لم يجسر عليك أحد بعده اتعاظاً بهم واعتباراً بحالهم؛ ومادة شرد بكل ترتيب تدور على النفوذ، فإن كان على قصد وسنن فهو رشد ويلزمه الاجتماع، وإن كان على غير سنن وجامع استقامة فهو شرود، ودرشة، أي لجاجة ويلزمه التفرق؛ قال ابن فارس‏:‏ شرد البعير شروداً وشردت به تشريداً، فأما قوله لجاجة ويلزمه التفرق؛ قال ابن فارس‏:‏ شرد البعير شروداً وشردت به تشريداً، فأما قوله ‏{‏فشرد بهم‏}‏ فالمراد نكل بهم وسمّع، قال القزاز‏:‏ شردت الرجل تشريداً- إذا طردته، وشردت به- إذا سمّعت به وذكرت عيوبه للناس، وقوله تعالى ‏{‏فشرد بهم‏}‏ أي اجعلهم مطردين- انتهى‏.‏

فالمراد المبالغة في الإيقاع بهم لأنهم إذا ضربوا ضربة تفرقوا فيها على غير وجه ولا انتظام علم من شردوا إليه ممن وراءهم أنه قد تناهى بهم الذعر فذعر هو فوقع في الشرود قوة أو فعلاً، فعلى قراءة من جعل «من» حرف جر يكون المفعول محذوفاً، والتقدير‏:‏ أوقع- بما تفعل بهؤلاء من الأمور الهائلة- التشريدَ في المكان الذي خلفهم بشرود من فيه قوة أو فعلاً بما سمعوا أو رأوا من حال هؤلاء حين واجهوك للقتال، وعلى قراءة من جعلها اسماً موصولاً تكون هي المفعول، فالمعنى‏:‏ شرد الذين خلفهم من أماكنهم إما بالفعل أو بالقوة بأن تفترق قلوبهم بما تفعل بهولاء فتصير- بما ترى من قبيح حالهم- قابلة للشرود، ويكون اختلاف المعنى بالتبعيض في جعل «من» حرف جر والتعميم في جعلها موصولاً بالنظر إلى القوة أو الفعل‏.‏

ولما ذكر الحكم، ذكر ثمرته بأداة الترجي إدارة له على الرجاء فقال‏:‏ ‏{‏لعلهم‏}‏ أي المشردين والمشرد بهم ‏{‏يذكرون*‏}‏ ما سبق من أيام الله فيعلموا أن هذه أفعاله، وهؤلاء رجاله، فينفعهم ذلك فلا ينقضوا عهداً بعده ولقد فعل بهم صلى الله عليه وسلم ذلك فإنهم إن كانوا بني قريظة فقد ضربهم صلى الله عليه وسلم ضربة لم يفلت منهم مخبر، بل ضرب أعناقهم في حفائر في سوق المدينة وكانوا نحو سبعمائة على دم واحد‏.‏ إلا من أسلم منهم وهم يسير، وسبى ذراريهم ونساءهم وغنم أموالهم، وإن كانوا قينقاع فقد نزل بساحتهم بعد نقضهم وإظهارهم غاية الاستخفاف والعناد فلم يكبتهم الله أن جعلهم في قبضته وما بقي إلا ضرب أعناقهم كما وقع لبني قريظة فسأله فيهم عبد الله بن أبي المنافق وألح عليه صلى الله عليه وسلم في أمرهم وكان يألفه ويتألف به فتركهم له صلى الله عليه وسلم وأجلاهم من المدينة، وكانت واقعتهم أول وقائع اليهود بالمدينة، وإن كانوا بني النضير فقد نقضوا أيضاً فأحاط بهم، ومنّاهم المنافقون الغرور فقذف الله الرعب في قلوبهم فسألوه صلى الله عليه وسلم أن يجليهم ويكف عن دمائهم ففعل، ثم أتم الله له الأمر فيهم في خيبر ووادي القرى وغيرهما إلى أن لم يدع منهم في جزيرة العرب فريقاً إلا ضربه بالذل وأجرى عليه الهوان والصغار، ووقائعه فيهم مشهورة الخبر معروفه في السير‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏58- 63‏]‏

‏{‏وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ‏(‏58‏)‏ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ ‏(‏59‏)‏ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ‏(‏60‏)‏ وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ‏(‏61‏)‏ وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ‏(‏62‏)‏ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ‏(‏63‏)‏‏}‏

ولما أمره بما يفعل تحقق نقضه، أرشده إلى ما يفعل بمن خاف غدره فقال‏:‏ ‏{‏وإما تخافن‏}‏ وأكده إشارة ظهور القرائن ووضوح الأمارت ‏{‏من قوم‏}‏ أي ذوي قوة، بينك وبينهم عهد ‏{‏خيانة‏}‏ أي في ذلك العهد ‏{‏فانبذ‏}‏ أي اطرح طرح مستهين محتقر ‏{‏إليهم‏}‏ أي ذلك العهد نبذاً كائناً ‏{‏على سواء‏}‏ أي أمر مستوٍ في العلم بزواله بينكم وبينهم وعدل ونصفه ولا تناجزوهم وهم على توهم من بقاء العهد، وهذا إشارة إلى أن يكونوا على غاية الحذر والفحص عن أخبار العدو بحيث لا يتركونه إلى أن ينقض ثم يعلمون ميله إلى النقض فينبذون إليه عهده لأن ذلك أردع له، فهو أدعى إلى السلم؛ ثم علل جواز النبذ ووجوب النصفة بقوله‏:‏ ‏{‏إن الله‏}‏ أي الذي له صفات الكمال ‏{‏لا يحب الخائنين*‏}‏ أي لا يفعل بهم فعل المحب لا منكم ولا من غيركم‏.‏

ولما كان نبذ العهد مظنة الخوف من تكثير العدو وإيقاظه، وكان الإيقاع أولى بالخوف، أتبع سبحانه ذلك ما يجري عليه ويسلي عن فوت من هرب من الكفار في غزوة بدر فلم يقتل ولم يؤسر فقال‏:‏ ‏{‏ولا يحسبن‏}‏ بالياء غيباً على قراءة ابن عامر وحمزة وحفص، أي أحد من أتباعك في وقت من الأوقات، ووجه قراءة الباقين بالخطاب أن أمر الرئيس ونهيه أوقع في نفوس الأتباع وأدعى لهم إلى السماع ‏{‏الذين كفروا‏}‏ أي عامة من نبذ ومن لم ينبذ ‏{‏سبقوا‏}‏ أي وقع لهم السبق، وهو الظفر في وقت ما، فإنهم لم يفوتوا شيئاً من أوامرنا؛ ثم علل ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏إنهم لا يعجزون*‏}‏ أي لا يفوتون شيئاً مما يزيد تسليطه عليهم، أي لا يغرنك علوهم وكثرتهم وجرى كثير من الأمور على مرادهم فكل ذلك بتدبيرنا، ولا يخرج شيء عن مرادنا، ولا بد أن نهلكهم فإنهم في قبضتنا، لم يخرجوا منها ولا يخرجون فضلاً عن أن يفوتوها فاصبر‏.‏

ولما كان هذا ربما أدى إلى ترك المناصبة والمحاربة والمغالبة اعتماداً على الوعد الصادق المؤيد بما وقع لهم في بدر من عظيم النصر مع نقص دعوى العِدة والعُدة، أتبعه ما يبين أن اللازم ربط الأسباب بمسبباتها، وليتبين الصادق في دعوى الإيمان من غيره فقال‏:‏ ‏{‏وأعدوا لهم‏}‏ أي للأعداء ‏{‏ما استطعتم‏}‏ أي دخل في طاعتكم وكان بقوة جهدكم تحت مقدروكم وطاقتكم ‏{‏من قوة‏}‏ أيّ قوة كانت، وفسرها النبي صلى الله عليه وسلم بالرمي إشارة إلى أنه أعظم عدده على نحو «الحج عرفة» وفي أمرهم بقوله ‏{‏ومن رباط الخيل‏}‏ إيماء إلى باب من الامتنان بالنصر في بدر لأنهم لم يكن معهم فيه غير فرسين، والرباط هو الخيل التي تربط في سبيل الله الخمس منها فما فوقها، وخصها مع دخولها فيما قبل إشارة إلى عظيم غنائها، والرباط أيضاً ملازمة تغر العدو وربط الخيل به إعداداً للعدو؛ ثم أجاب من كأنه قال‏:‏ لم نفعل ذلك وما النصر إلا بيدك‏؟‏ بقوله‏:‏ ‏{‏ترهبون‏}‏ أي تخافون تخويفاً عظيماً باهراً يؤدي إلى الهرب على ما أجريت من العوائد ‏{‏به‏}‏ أي بذلك الذي أمرتكم به من المستطاع أو من الرباط ‏{‏عدو الله‏}‏ أي الذي له العظمة كلها لأنه الملك الأعلى ‏{‏وعدوكم‏}‏ أي المجاهدين، والأليق بقوله-‏:‏ ‏{‏وآخرين‏}‏ أي وترهبون بذلك آخرين ‏{‏من دونهم‏}‏- أي يحمل على المنافقين لوصفهم بقوله‏:‏ ‏{‏لا تعلمونهم‏}‏ كما قال تعالى

‏{‏وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 101‏]‏ ولأنهم لا يكونون دونهم إلا إذا لم يكونوا في العدواة مثلهم، وكل من فرض غير المنافقين مظهرون للعدواة، وأما المنافقون فإنهم مدعون بإظهار الإسلام أنهم أولياء لا أعداء ‏{‏الله‏}‏ أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ‏{‏يعلمهم‏}‏ أي فهو يكفيكم ما يظن من أمرهم، وليس عليكم إلا الجهد بحسب ما تعلمون، والآية بالنسبة إلى ما تقدمها من باب «اعقلها وتوكل» والمعنى لا تظنوا أن الكفار فاتونا وأفلتوا من عذابنا بامتناعهم منكم فإنهم في قبضتنا أينما توجهوا وحيثما حلوا فسوف نهلكهم ولا يعجزوننا، ومع ذلك فلا يحملنكم الاتكال على قوتنا على ترك أسباب مغالبتهم بما أعطيناكم من القوى بل ابذلوا جهدكم وطاقتكم في إعداد مكايد الحرب وما يتعلق بالرمي من القوة وبالخيل من الطعن والضرب والفروسية لنلقي بذلك رعبكم في قلوب عدوكم القريب والبعيد من تعلمونه منهم ومن لا تعلمونه‏.‏

ولما كان أغلب معاني هذه الأية الإنفاق، لأن مبنى إعداد القوة عليه، رغب فيه بقوله‏:‏ ‏{‏وما تنفقوا من شيء‏}‏ أي من الأشاء وإن قلَّ ‏{‏في سبيل الله‏}‏ أي طريق من له صفات الكمال من الجهاد وغيره ‏{‏يوف إليكم‏}‏ أي أجره كاملاً في الدنيا والآخرة أوفى ما يكون مضاعفاً أحوج ما تكونون إليه ‏{‏وأنتم لا‏}‏‏.‏

ولما كان المخوف مطلق النقص، بنى للمفعول قوله‏:‏ ‏{‏تظلمون*‏}‏ أي لا تنقصون شيئاً منه، وأما الزيادة فلا بد منها وهي على قدر النية‏.‏

ولما كان ضمان النصر والحلف في النفقة موجباً لدوام المصادمة والبعد من المسالمة، أتبعه قوله أمراً بالاقتصاد‏:‏ ‏{‏وإن جنحوا‏}‏ اي مالوا وأقبلوا في نشاط وطلب حازم ‏{‏للسلم‏}‏ أي المصالحة، والتعبير باللام دون «إلى» لا يخلو عن إيماء إلى التهالك على ذلك ليتحقق صدق الميل ‏{‏فاجنح‏}‏ ولما كان السلم مذكراً يجوز تأنيثه، قال‏:‏ ‏{‏لها‏}‏ أي المصالحة، أو يكون تأنيثه بتأنيث ضده الحرب، وكأنه اختير التأنيث إشارة إلى أنه يقتصر فيه على أقل ما يمكن من المدة بحسب الحاجة، هذا إذا كان الصلاح للمسلمين في ذلك بأن يكون بهم ضعف، وأقصى مدة الجواز عشر سنين اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تجوز الزيادة‏.‏

ولما كان ذلك مظنة أن يقال‏:‏ إنه قد عهد منهم من الخداع ما أعلم انهم مطبوعون منه على ما لا يؤمنون معه فمسالمتهم خطر بغير نفع، لوح إلى ما ينافي ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏وتوكل على الله‏}‏ أي الذي له مجامع العظمة فيما تعهده من خداعهم فإنه يكفيك أمره ويجعله سبباً لدمارهم كما وقع في صلح الحديبية فإن غدرهم فيه كان سبب الفتح، وحرف الاستعلاء في هذا وأمثاله معلم بأنه يفعل مع المتوكل فعل الحامل لما وكل إليه المطيق لحمله؛ ثم علل الأمر بالتوكل الذي معناه عدم الخوف من عاقبة أمرهم في ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏إنه هو‏}‏ أي وحده ‏{‏السميع‏}‏ أي البالغ السمع، فهو يسمع كل ما أبرموه في ذلك وغيره سراً كما يسمعه علانية ‏{‏العليم*‏}‏ أي البالغ العلم وحده فهو يعلم كل ما أخفوه كما أنه يعلم ما أعلنوه؛ ثم صرح بالاستهانة بكيدهم فقال‏:‏ ‏{‏وإن يريدوا‏}‏ أي الكفار ‏{‏أن يخدعوك‏}‏ أي بما يوقعون من الصلح أو بغيره ‏{‏فإن حسبك‏}‏ أي كافيك ‏{‏الله‏}‏ أي الذي له صفات العز كلها، ثم علل كفايته أو استأنف بيانها بقوله‏:‏ ‏{‏هو‏}‏ أي وحده ‏{‏الذي أيدك بنصره‏}‏ أي إذ كنت وحدك ‏{‏وبالمؤمنين*‏}‏ أي بعد ذلك في هذه الغزوة التي كانت العادة قاضية فيها بأن من معك لا يقومون للكفار فواق ناقة، ولعل هذا تذكير بما كان من الحال في أول الإسلام، أي إن الذي أرسلك مع وحدتك في مكة بين جميع الكفار وغربتك فيهم- وإن كانوا بني عمك- بسبب دعوتك إلى هذا الدين وعلوك عن أحوالهم البهيمية إلى الأخلاق الملكية، هو الذي قواك وحده بالنصر عليهم حتى لم يقدروا على أذى يردك عن الدعاء إلى الله مع نصب جميعهم لك ولمتبعيك شباك الغدر ومدهم إليكم أيدي الكيد ثم سلّكم من بين أظهرهم كما تسل الشعرة من العجين مع اجتهادهم في منعكم من ذلك، وأيدكم بالأنصار وجمع بين كلمتهم بعد شديد العدواة ‏{‏وألف بين قلوبهم‏}‏ بعد غاية التباغض، فصار البعيد منهم قريباً والبغيض حبيباً والعدو صديقاً، وكانوا على قلب واحد؛ ثم استأنف الإخبار بما دل على تعذر ألفتهم لولا هو فقال‏:‏ ‏{‏لو أنفقت‏}‏ أي وأنت أتقن الخلق لما تصنعه ‏{‏ما في الأرض جميعاً‏}‏ أي في إرادة ذلك ‏{‏ما ألفت بين قلوبهم‏}‏ ثم أكد ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏ولكن الله‏}‏ أي وهو الذي له جميع صفات الكمال ‏{‏ألف بينهم‏}‏ ثم علل نفوذ فعله وأمره فيه بقوله‏:‏ ‏{‏إنه عزيز حكيم*‏}‏ أي لأنه لولا عزته التي تغلب كل شيء ولا يغلبها شيء وحكمته التي يتقن بها ما أراد بحيث لا يمكن لأحد أن يغير شيئاً منه لما تألفوا بعد أن كان قبل كل أحد من فريقيهم للآخر أشهى من لذيذ الحياة وصافي العيش لما بينهم من الإحن التي لا تزال تثور فتغلي لها الصدور حتى تفور بقتل الأحباب من الوالدين والأولاد والقهر بأنواع الأذى مع المجاورة المقتضية لدوام التحاسد وإثارة الضغائن، وكذا فعل سبحانه بجميع العرب بعدما كان بينهم من القتل المنتشر مع ما لهم من الحمية والأنفة الحاملة على الانتقام‏.‏

والذي أمدك بهذه الألطاف حي لا يموت باق على ما كان عليه من القدرة والقوة، فهو الكفيل بحراستك ممن يريد خداعك، فإذا أمركم بأمر فامتثلوه غير مفكرين في عاقبته، فإنه قد بينه بعزته وأتقنه بحكمته وستعلمون‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏64- 67‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏64‏)‏ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ ‏(‏65‏)‏ الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ‏(‏66‏)‏ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ‏(‏67‏)‏‏}‏

ولما صرح بأن الله كافيه، وكانت كفاية الله للعبد أعظم المقاصد، التفتت الأنفس إلى أنه هل يكفيه مطلقاً أو هو فعل مع المؤمنين أيضاً مثل ذلك، فأتبعها بقوله معبراً بوصف النبوة الذي معناه الرفعة والاطلاع من جهة الله على ما لا يعلمه العباد، لأنه في سياق الإخبار ببعض المغيبات والتصرف في الملكوت‏:‏ ‏{‏يا أيها النبي‏}‏ أي العالي القدر الذي نعلمه بعواقب أموره ‏{‏حسبك‏}‏ أي كافيك ‏{‏الله‏}‏ أي الذي بيده كل شيء ‏{‏ومن‏}‏ أي مع من ‏{‏اتبعك من المؤمنين*‏}‏ يجوز أن يكون المعية من ضميره صلى الله عليه وسلم فيكون المؤمنون مكفيين، وأن يكون من الجلالة فيكونوا كافين، حتى يكون المعنى‏:‏ فهو كافيهم أيضاً وهم كافوك لأنه معهم، وساق سبحانه هذا هكذا تطييباً لقلوبهم وجبراً لخواطرهم وبالمعنى الثاني- لتضمنه الأول وزيادته عليه- قال ابن زيد والشعبي‏:‏ حسبك الله وحسبك من اتبعك، وساقها سبحانه على وجه مكرر لكفاية نبيه صلى الله عليه وسلم محتمل لأن فيمن كان على اتباعه في ذلك الوقت لئلا يستقلوا بالنسبة إلى كثرة أعدائهم‏.‏

ولما بين أنهم كافون مكفيون، وكان ذلك مشروطاً بفعل الكيس والحزم وهو الاجتهاد بحسب الطاقة، أمره بأن يأمرهم بما يكونون به كافين من الجد في القتال وعدم الهيبة للأبطال في حال من الأحوال، فقال معبراً بالوصف الناظر إلى جهة التلقي عن الله ليشتد وثوق السامع لما يسمعه‏:‏ ‏{‏يا أيها النبي‏}‏ أي الرفيع المنزلة عندنا الممنوح من إخبارنا بكل ما يقر عينه وعين أتباعه ‏{‏حرض المؤمنين‏}‏ أي الغريقين في الإيمان ‏{‏على القتال‏}‏ أي بالغ في حثهم عليه وندبهم بكل سبيل إليه، ومادة حرض- بأيّ ترتيب كان- حرض، حضر، رحض، رضح، ضرح؛ ترجع إلى الحضور ويلزمه الخفض والدعة، ويلزم الكسل فيلزمه الضعف فيلزمه الفساد، ومنه الحرض الذي أشفى على الهلاك، أي حضر هلاكه وحضر هو موضعه الذي هو فيه فصار لما به لا يزايله ما دام حياً، ورخص الثوب، أي غسله، من الدعه التي هي شأن الحضور غير المسافرين، والرحضاء عرق الحمى تشبيه بالمغسول، والمرضاح الحجر الذي لا يزال حاضراً لرضح النوى، والضريح شق مستطيل يوضع فيه الميت فيكون حاضره لازماً له دائماً إلى الوقت المعلوم، ويلزمه الرمي والطول، ومنه المضرحي للطويل الجناحين من الصقور لأن كل صيد عنده حاضر لقوة طيرانه، والرجل الكريم لعلو همته، وأحضرت الدابة‏:‏ عدت فجعلت الغائب حاضراً، والتحريض الحث على حضور الشيء، فحرض على القتال‏:‏ حث على الطيران إليه بتعاطي أسبابه والاستعداد لحضوره حتى يصير المحثوث كأنه حاضر، متى قيل‏:‏ يا صباحاه‏!‏ طار إلى المنادي، وكان أول حاضر إلى النادي، لأنه لا مانع له من شيء من الأشياء بل استعداده استعداد الحاضر في الصف؛ وقال الإمام أبو الحسن علي ابن عيسى الرماني في تفسيره‏:‏ والتحريض‏:‏ الدعاء الوكيد لتحريك النفس على أمر من الأمور، والحث والتحريض والتحضيض نظائر، ونقيضه التفسير، والتحريض ترغيب في الفعل بما يبعث على المبادرة إليه مع الصبر عليه- انتهى‏.‏

فهذه حقيقته، لا ما قال في الكشاف وتبعه عليه البيضاوي‏.‏

ولما ندبهم إلى القتال، أعلمهم بأنهم منصورون فيه إن لازموا آلة النصر، فقال اسئنافاً جواباً لمن قال‏:‏ ما عاقبتهم إذا رغبوا فبادروا إلى ذلك‏؟‏‏:‏ ‏{‏إن يكن‏}‏ ولما كانت لذة الخطاب تثير الهمم وتبعث العزائم وتوجب غاية الوثوق بالوعد، عدل عن الغيبة فقال‏:‏ ‏{‏منكم عشرون‏}‏ أي رجلاً‏:‏ ‏{‏صابرون‏}‏ أي الصبر المتقدم ‏{‏يغلبوا مائتين‏}‏ أي من الكفار، والآية من الوعد الصادق الذي حققه وقائع الصحابة رضي الله عنهم ‏{‏وإن يكن منكم مائة‏}‏ أي صابرة ‏{‏يغلبوا ألفاً‏}‏ أي كائنين ‏{‏من الذين كفروا‏}‏ فالآية من الاحتباك‏:‏ أثبت في الأول وصف الصبر دليلاً على حذفه ثانياً، وفي الثاني الكفر دليلاً على حذفه أولاً؛ ولعل ما أوجبه عليهم من هذه المصابرة علة للأمر بالتحريض، أي حرضهم لأني أعنت كلاً منهم على عشرة، فلا عذر لهم في التواني؛ وعلل علوهم عليهم وغلبتهم لعن على هذا الوجه بقوله‏:‏ ‏{‏بأنهم‏}‏ أي هذا الذي أوجبته ووعدت بالنصر عنده بسبب أنهم، أي الكفار ‏{‏قوم لايفقهون*‏}‏ أي ليس لهم فقه يعلمون به علم الحرب الذي دربه أهل الإيمان وإن كنتم ترونهم أقوياء الأبدان فيهم كفاية للقيام بما ينوبهم من أمر الدنيا لأنهم أبدان بغير معان، كما أن الدنيا كذلك صورة بلا روح، لأنهم لم يبنوا مصادمتهم على تلك الدعائم الخمس التي قدمتها لكم وألهمتكم إياها في بدر، فمن لم يجمعها لم يفقه الحرب، لأن الجيش إن لم يكن له رئيس يرجع إليه لم يفلح، وذلك الرئيس إن لم يكن أمره مستنداً إلى ملك الملوك كان قلبه ضعيفاً، وعزمه- وإن كثرت جموعه- مضطرباً، فإنهم يكونون صوراً لا معاني لها، والصور منفعله لا فعالة، والمعاني هي الفعالة، والمعتمد على الله صورته مقترنة بالمعنى، فأقل ما يكون في مقابلة اثنين من أعدائه كما حط عليه الأمر في الجهاد، ولعل هذا هو السر في انتصار الخوارج- من أتباع شبيب وأنظاره على قلتهم- على الجيوش التي كانوا يلقونها عن ملوك زمانهم على كثرتهم، فإن الخوارج معتقدون أن قتالهم لله مستندين في هذا الاعتقاد إلى ظلم أولئك الملوك وخروجهم عن أمر الله، والذين يلقونهم عن أولئك الملوك وإن اعتقدوا أنهم أهل طاعة لطاعتهم الإمام الواجب طاعته، لكنهم يعلمون أن استناد إمامهم إلى الله ضعيف لمخالفته لمنهاج الاستقامه، وذلك الرئيس نفسه معتقد ذلك وأن ولايته مفسدة، وأن تحريم النبي صلى الله عليه وسلم لقتاله إنما هو درء لأعظم المفسدتين، فصار استناد الخوارج إلى الملك الملوك اعظم من استناد أولئك، ولهذا نشأ عن استناد الخوارج الزهد الذي هو أعظم أسباب النصر، ونشأ عن استناد أولئك الملوك الإخلاد إلى الدنيا الذي هو أعظم الموجبات للخذلان، مصداق ذلك أنهم لما خرجوا على علي رضي الله عنه فسار فيهم بسنة الله من اللطف بهم وتقديم وعظهم والإعذار إليهم وردهم إلى الله فلما لم يقبلوا قصدهم في ساعة، قال له بعض من كان يعتني بالنجوم‏:‏ إنها ساعة نحس، أن سار فيها حذل، فقال‏:‏ سيروا فيها فإنه ما كان للنبي صلى الله عليه وسلم منجمون، فلما لقي الخوارج لم يواقفوه حلب ناقه ولا أفلت منهم أحد ولا قتل من جماعته إنسان؛ وفهم الإيجاب في قوله تعالى ‏{‏إن يكن منكم عشرون‏}‏- الآية وأن الخبر فيه بمعنى الأمر من قوله‏:‏ ‏{‏الآن خفف الله‏}‏ أي الملك الذي له الغنى المطلق صفات الكمال ‏{‏عنكم‏}‏ أي رحمة لكم ورفقاً بكم ‏{‏وعلم‏}‏ أي قبل التخفيف وعده ‏{‏أن فيكم ضعفاً‏}‏ أي في العَدد والعُدد، ولكنه أوجب عليكم ذلك ابتلاء، فبعد التخفيف علم ضعفهم واقعاً وقبله علم أنه سيقع، وتصديره هذه الجملة ب ‏{‏الآن‏}‏ يشير إلى أن النسخ كان قبل أن تمضي مدة يمكن فيها غزو، وفائدة الأمر المعقب بالنسخ حيازة الأجر بقبوله والعزم على امتثاله، وقيل‏:‏ ما كان النسخ إلا بعد مدة بعد أن سألوا في التخفيف؛ وروى البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ لما نزلت ‏{‏إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين‏}‏ شق ذلك على المسلمين حين فرض عليهم ألا يفر واحد من عشرة، فجاء التخفيف فقال‏:‏ ‏{‏الآن خفف الله عنكم‏}‏- الآية؛ فلما خفف الله عنهم من العدة نقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم‏.‏

والمعنى أنه كان كتب مقدراً من الصبر لكل مؤمن، فلما خفف أزال ذلك بالنسبة إلى المجموع، وهذا لا يمنع استمرار البعض على ما كان كما فعل سبحانه بالصحابة رضوان الله عليهم في غير موضع منها غزوة مؤته، فقد كانوا فيها ثلاثة آلاف، وكان من لقوا من جموع هرقل مائتي ألف‏:‏ مائة من الروم ومائة من العرب المستنصرة، فصبروا لهم ونصروا عليهم كما في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال مخبراً عنهم في هذه الغزوة «ثم أخذ الراية عن غير إمرة سيف من سيوف الله خالد بن الوليد ففتح الله عليه» ولما توفي النبي صلى الله عليه وسلم ارتد عامة الناس حتى لم يثبت على الإسلام عشر العشر فصبر الصحابة رضوان الله عليهم لهم ونصروا عليهم، بل الذي صبر في الحقيقة أبو بكر رضي الله عنه وحده، ثم أفاض الله من صبره ونوره على جميع الصحابة رضي الله عنهم فصبروا، ثم جهز الجيش وأميرهم الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم سيف الله، فأخمد الله به نار الشرك وقطع بصبره وحسن نيته جاذرة الكفر فلم تمض سنة وفي بلاد العرب مشرك‏.‏

فلما جمع الله العرب بهذا الدين على قلب رجل واحد قصدوا الأعاجم من الفرس والروم والقبط، فقاتلوا أهل فارس في عدة وقائع منها القادسية، وكان الصحابة رضي الله عنهم فيها دون أربعين ألفاً، وكان المجوس أكثر من أربعمائة ألف، وقاتلوا الروم كذلك فكانوا في اليرموك دون أربعين ألفاً وكان الروم نحو أربعمائة ألف- إلى غير ذلك من الوقائع وقد صبروا في أكثرها ونصروا، ثم كانت لهم العاقبة فطردوا الشرك وأهله، وأظهر الله لهم دينه كما وعد به سبحانه، وما اجتمع أهل الإسلام وأهل الضلال قط في معرك إلا كانت قتلى الكفار أضعاف قتلى المسلمين غير أن الله تعالى جده وتبارك اسمه وتمت كلمته ألطف بالعرب علماً منه بأنهم خلاصة الناس بما طبعهم سبحانه عليه من الخصال الحميدة والأخلاق السديدة فأسلم كل من اشتملت عليه جزيرتهم بعد وقائع في زمان النبي صلى الله عليه وسلم وزمان الردة، ولم تبلغ قتلاهم فيما أظن عشرة الآف إنسان، ثم لما جاهدوا الأعاجم من فارس والروم وغيرهم كانت قتلى الكفار تبلغ في المعركة الواحدة مائة ألف ومائتي ألف- كما هو مشهور في كتب الفتوح للمدائني وسيف وابن عبد الحكم والبلاذري وغيرهم، وقد جمع أشتات ذلك الحافظ أبو الربيع بن سالم الكلاعي وشيخه ابن حبيش، ولعله حذف في الثانية التقييد بالكفار ليشمل كل ما استحق القتال من البغاة وغيرهم، فقال تعالى مسبباً عن التخفيف المذكور راداً الأمر من إيجاب مصابرة عشرة إلى الأمر بمصابرة الضعف، فإن زاد العدد على الضعف جاز الفرار والصبر أحسن‏:‏ ‏{‏فإن يكن منكم مائة صابرة‏}‏ أي الصبر الذي تقدم التنبيه عليه ‏{‏يغلبوا مائتين‏}‏ أي من غيركم بإذن الله ‏{‏وإن يكن منكم ألف‏}‏ أي على النعت المذكور وهو الصبر ‏{‏يغلبوا ألفين‏}‏ ثم أرشد إلى أن المراد بالصبر هو كل المأمور به في آية ‏{‏إذا لقيتم فئة فاثبتوا‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 45‏]‏ فقال‏:‏ ‏{‏بإذن الله‏}‏ أي بإرادة الذي له جميع الأمر، ذلك وإباحته لكم وتمكينه، فإن لم يقع الإذن لم يقع الظفر، فالآية من الاحتباك‏:‏ ذكر في الأول صابرة دلالة على حذفه ثانياً، وذكر ثانياً الإذن دليلاً على حذفه أولاً؛ ثم نبه على عموم الحكم بقوله‏:‏ ‏{‏والله‏}‏ أي المحيط بصفات الكمال ‏{‏مع الصابرين*‏}‏ أي بنصره ومعونته، ومن ثم قال ابن شبرمة‏:‏ وأنا أرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كذلك‏.‏ ومادة «إذن»- مهموزة وغير مهموزة وواوية ويائية بتقاليبها الأربعة‏:‏ إذن ذان ذون ذين- ترجع إلى العلم الناشئ عن حاسة السمع المتعلق بجارحة الأذن، وتارة يثمر الإباحة وتارة المنع، فأذن بالشيء- كسمع‏:‏ علم به «فأذنوا بحرب» أي كونوا على علم من أن حربكم أبيح‏.‏

وأذن له بالشيء- كسمع أيضاً‏:‏ أباحه له، وآذنه الأمر وبه‏:‏ أعلمه- وزناً ومعنى، فجعله مباحاً له أو ممنوعاً منه، وأذّن فلاناً تأذيناً‏:‏ عرك أذنه، وأذّنه‏:‏ رده عن الشرب فلم يسقه، كأن التفعيل فيه للإزالة، وآذن النعل وغيرها‏:‏ جعل لها أذناً، وفعله بإذني‏:‏ بعلمي وتمكيني، وأذن إليه وله- كفرح‏:‏ استمع بأذنه، أي أباح ذلك سمعه وقلبه، وأذن لراتحة الطعام‏:‏ اشتهاه كأنه أباحه لنفسه، وآذنه إيذاناً‏:‏ أعجبه، مثل ذلك سواء، وآذنه أيضاً‏:‏ منعه، كأنه الهمزة للإزالة، والأذن‏:‏ الجارحة المعروفة- بضمة وبضمتين- والمقبض والعروة من كل شيء وجبل، لأن كلاً من ذلك سبب للتمكن من حمل ما هو فيه، والأذن‏:‏ الرجل المستمع القابل كل ما يقال له كأنه لما قبله أباحه قلبه ومكنه منه، والأذان‏:‏ النداء إلى الصلاة لأنه إعلام بإباحتها والمكنة منها، وتأذن‏:‏ أقسم وأعلم، وتارة يتأثر عنه إباحة ومكنة من الشيء وتارة منع وحرمة، فيكون من الإزالة، وآذن العشب‏:‏ بدأ يجف فبعضه رطب وبعضه يابس كأنه أمكن من جره وجمعه ببدو صلاحه، والآذن‏:‏ الحاجب، لأنه للتمكين والمنع، والأذنة محركة‏:‏ صغار الإبل والغنم كأنها تبيح كل أحد ما يريد منها، وطعام لا أذنة له‏:‏ لا شهوة لريحه، فكأنه ممنوع منه لعدم اشتهائه، وتأذن الأمير في الناس‏:‏ نادى فيهم بتهدد، فهو يرجع إلى المنع والزجر عن شيء تعزيراً، والذين- بالكسر والياء‏:‏ العنب، وكذا الذان- بالألف منقلبة عن واو‏:‏ العنب، كأنه لسهولة تناوله ولذة مطعمه أمكن من نفسه، والتذوّن- بالواو مشددة‏:‏ الغنى والنعمة، كأنهما سبب للإمكان مما يشتهي، والذؤنون- مهموزاً كزنبور‏:‏ نبت من نبات الأرض؛ والمعنى أنه إنما أذن لكم في ذلك إذا فعلتم الشرط المذكور لأنكم فقهتم على الحرب وبنيتم أمركم فيه على دعائمها الخمس التي ملاكها والداخل في كل منها الصبر، فكان الله معكم، وهو مع كل صابر هذا الصبر المثبت في الدعائم الخمس في كل أوان، ومما يسأل عنه في الآية أنه ابتدئ في العشرات بثاني عقودها، وفي المئات والآلاف بأولها‏.‏ سألت شيخنا الإمام الراسخ محقق زمانه شمس الدين محمد بن علي القاياتي قاضي الشافعية بالديار المصرية‏:‏ ما حكمته‏؟‏ فقال‏:‏ الأصل الابتداء بأول العقود، لكن لو قيل‏:‏ إن يكن منكم عشرة صابرة يغلبوا مائة، لربما توهم انه لا تجب مصابرة الواحد للعشرة إلا عند بلوغ المؤمنين هذا العقد، فعدل إلى الابتداء بثاني عقود هذه المرتبة لينتفي هذا المحذور، فلما انتفى وعلم أنه يجب مصابرة كل واحد لعشرة، ذكر باقي المراتب في الباقي على الأصل المعتاد، وأما تكرير المعنى الواحد وهو مقاومة الجماعة لأكثر منها مرتين‏:‏ قبل التخفيف وبعده فللدلالة- كما قال في الكشاف- على أن الحال مع القلة والكثرة واحدة لا تتفاوت وإن كان قد يظن تفاوته، وكأنه لم يذك الآحاد بشارة بكثرة هذه الأمة واجتماعها وبدأ بالعشرات وختم بالألوف ليستوفي مراتب الأعداد الأصلية- والله أعلم‏.‏

ولما تقدم الأمر بالإثخان في ‏{‏فشرد بهم‏}‏ ثم بإعداد القوة، ثم التحريض على القتال بعد الإعلام بالكفاية ثم إيجاب ثبات الواحد لعشرة ثم إنزال التخفيف إلى اثنين؛ كذن ذلك مقتضياً للإمعان في الإثخان، فحسن عتاب الأحباب في اختيار غير ما أفهمه هذا الخطاب، لكون ذلك أقعد في الامتنان عليهم بالعفو والغفران بسبب أن أكثرهم مال إلى فداء الأسارى فإن النبي صلى الله عليه وسلم استشارهم فيهم فأشار أبو بكر رضي الله عنه بالمفاداة ومال معه الأكثر، وأشار عمر رضي الله عنه بضرب أعناقهم، وروي أنه قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لو نزل من السماء عذاب- أي في هذا- ما نجا منه غير عمر وسعد بن معاذ رضي الله عنهما» فقال تعالى استئنافاً واستنتاجاً‏:‏ ‏{‏ما كان‏}‏ أي ما صح وما استقام ‏{‏لنبي‏}‏ أي في شرع نبي الأنبياء مستقل ولا مقر، ولعله عبر بوصف النبوة ليفيد مع العموم أن كلاً من رفعه القدر والإخبار من الله يمنع من الإقدام على فعل بدون إذن خاص ‏{‏أن يكون له أسرى‏}‏ أي أن يباح له أسر العدو ‏{‏حتى يثخن في الأرض‏}‏ أي يبالغ في قتل أعدائه، فهو عتاب لمن أسر من الصحابة غير من نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتله من المشركين أو رضي بذلك، وإنما أسند إلى نبي- وقرئ شاذاً بالتعريف- ولم يقل‏:‏ ما كان في شرع نبي، تهويلاً للأسر تعظيماً للعفو للمبالغة في القيام بالشكر، وهذا كان يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل، فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل الله سبحانه وتعالى ‏{‏فإما منّاً بعد وإما فداء‏}‏ ‏[‏محمد‏:‏ 4‏]‏ قاله ابن عباس رضي الله عنهما، ومادة ثخن تدور على الضخامة، وتارة يلزمها اللين والضعف، وتارة الصلابة والقوة، فحقيقته‏:‏ يبالغ في القتل فيغلط أمره فيقوى، ويلين له أعداؤه ويضعفوا؛ ثم بين لهم أن الميل عن ذلك إنما هو لإرادة الأعراض الدنيوية المبكت به اليهود في آخر التي قبلها بقوله تعالى ‏{‏يأخذون عرض هذا الأدنى‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 196‏]‏ كما أن النزاع في الأنفال ميل إلى الدنيا، وكل ذلك بمعزل عن معالي الأخلاق وكرائم السجايا، معللاً لعدم الكون المذكور بما تقديره‏:‏ لأن الأسر إنما يراد به الدنيا، هكذا الأصل ولكنه أبرز في أسلوب الخطاب لأنه أوقع في النفس فقال‏:‏ ‏{‏تريدون‏}‏ أي أنها المؤمنون المرغبون في الإنفاق لا في الجمع، باستبقائهم ‏{‏عرض الدنيا‏}‏ قال الراغب‏:‏ العرض ما لا ثبات له، ومنه استعاره المتكلمون لما لا ثبات له إلا بالجوهر كاللون، وقال ابن هشام في تهذيب السيرة، أي المتاع الفداء بأخذ الرجال ‏{‏والله‏}‏ أي الذي له الكمال كله ‏{‏يريد‏}‏ أي لكم ‏{‏الآخرة‏}‏ اي جوهرها لأنه يأمر بذلك أمراً هو في تأكيده ليمتثل كالإرادة التي لا يتخلف مرادها، وذلك بالإثخان في قتلهم لظهور الدين الذي تريدون إظهاره والذي به تدرك الآخرة، ولا ينبغي للمحب أن يريد إلا ما يريد حبيبه ‏{‏والله‏}‏ أي الملك الأعظم ‏{‏عزيز‏}‏ أي منزه جنابه العلي عن لحاق شيء مما فيه أدنى سفول ‏{‏حكيم*‏}‏ أي لا يصدر عنه فعل إلا وهو في غاية الإتقان فهو يأمر بالإثخان عند ظهور قوة المشركين، فإذا ضعفت وقوي المسلمون فأنتم بالخيار، ولا يصح ادعاء ولايته إلا لمن ترقى في معارج صفاته، فيكون عزيزاً في نفسه فلا يدنسها بالأطماع الفانية، وفعله فلا يحطه عن أوج المعالي إلى حضيض المهاوي، وحكيماً فلا ينشأ عنه فعل إلا وهو في غاية الإتقان‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏68- 71‏]‏

‏{‏لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ‏(‏68‏)‏ فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏69‏)‏ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏70‏)‏ وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ‏(‏71‏)‏‏}‏

ولما علم من الآية ما أشرت إليه، فكان كأنهم قالوا رضي الله عنهم‏:‏ تقتضي عزته وحكمته سبحانه من تطهيرنا عما تدنسنا به‏؟‏ استأنف تعالى الجواب عن ذلك ممتناً غاية لامتنان ومحذراً من التعرض لمواقع الخسران فقال‏:‏ ‏{‏لولا كتاب‏}‏ أي قضاء حتم ثابت مبرم ‏{‏من الله‏}‏ أي الذي له الإحاطة الكاملة بكل شيء قدرة وعلماً ‏{‏سبق‏}‏ أي في أم الكتاب من الحكم بإسعادكم، ومن أنه لا يعذب أحداً إلا بعد التقدم إليه بالنهي، ومن أنه سيحل لكم الفداء والغنائم التي كانت حراماً على من قبلكم تشريفاً لكم- كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما ‏{‏لمسكم فيما أخذتم‏}‏ أي من الأسرى المراد بهم الفداء ‏{‏عذاب عظيم*‏}‏ ولكن سبق حكمي بأن المغنم- ولو بالفداء- لكم حل وإن تعجلتم فيه أمري‏.‏

ولما ساق سبحانه هذه البشارة في النذارة، سبب عنها قوله‏:‏ ‏{‏فكلوا مما غنمتم‏}‏ أي من الفدية وغيرها حال كونه ‏{‏حلالاً‏}‏ أي لا درك ولا تبعة فيه من جهتي ‏{‏طيباً‏}‏ أي شهياً لكم ملائماً لطباعكم، وهذا إذا كان مع الشروط التي أقمتها لكم من عدم الغلول والخيانة بوجه من الوجوه والاستثار وشديد الرغبة السائقة إلى ما لا يليق من التنازع وغيره، ذلك فيما تقدمت فيه إليكم ‏{‏واتقوا الله‏}‏ أي الذي له جميع صفات الكمال في جميع ذلك فلا تغلوا ولا تنازعوا ولا تقدموا إلا على ما يبيحه لكم الرسول صلى الله عليه وسلم ‏{‏إن الله‏}‏ أي المتصف بالجلال والإكرام ‏{‏غفور‏}‏ أي لمن يعلم من قبله أنه من أهل التقوى ‏{‏رحيم*‏}‏ أي له، فلأجل ما علم في قلوبكم من الخير غفر لكم فلم يعذبكم بتسرعكم إلى إسار من لم يأمركم به الرسول صلى الله عليه وسلم للمفاداة دون توقف على إذنه، ورحمكم فأحسن إليكم فأحل لكم الغنائم، انظر إلى قوله تعالى ‏{‏إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم‏}‏ تعرف حسن تعليل الأمر بالتقوى بالمغفرة والرحمة، ويجوز أن يكون علة للأكل، أي كلوا فإن الله قد غفر لكم ما عاتبكم عليه، وفائدة الأمر بالتقوى التحذير من العود اعتماداً على سعة الحلم، وايضاً فقد تقدم تهديد ومغفرة فناسب أن يدلهم على أن علة المغفرة التقوى، فكان ترجمة ذلك انه لما رهبهم بمس العذاب عند أخذ الفداء لولا سبق الكتاب، رغبهم بأنه كلما صدهم عن جنابه صارف ذنب فردهم إليه عاطف تقوى، أسبل عليهم ذيل المغفرة والرحمة، ولما علم من هذا إباحة ما يؤخذ من الأسر من الفداء، وكان ما يؤخذ منهم تعظم مشقته عليهم، أقبل عليهم مستعطفاً لهم ترغيباً في الإسلام، فأقبل على نبيه صلى الله عليه وسلم بالأمر بمخاطبتهم تنبيهاً على أنهم ليسوا بأهل لخطابه سبحانه بما أبعدوا أنفسهم عنه من اختيارهم الكون في زمرة الأعداء على الكون في عداد الأولياء، فقال معبراً بالوصف الناظر إلى تلقي العلم ترغيباً في التلقي منه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏يا أيها النبي‏}‏ أي الذي أنبئه بكل معنى جليل، يظهر دينه ويزكي أمته مع رفع مقداره وإتمام أنواره ‏{‏قل لمن في أيديكم‏}‏ أي في أيدي أصحابك وأهل دينك، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ‏{‏من الأسرى‏}‏ ترغيباً لهم فيما عند الله ‏{‏إن يعلم الله‏}‏ بما له من صفات الجلال والجمال ‏{‏في قلوبكم خيراً‏}‏ أي شيئاً من تقواه الحاملة على الإيمان الذي هو رأس الخير وعلى كل خير ‏{‏يؤتكم خيراً مما أخذ منكم‏}‏ أي مما يفتح به عليكم من المغانم في الدنيا ويدخره لكم من الثواب في الأخرى ‏{‏ويغفر لكم‏}‏ أي ما سلف من ذنوبكم ‏{‏والله‏}‏ أي الذي بيده كل شيء ‏{‏غفور رحيم‏}‏ أي من شأنه ذلك، والمعنى على ما علم من قصة العباس الآتيه رضي الله عنه أنه سبحانه يعاملكم وأمثالكم في غير ما يأخذه منكم جنده بالكرم، وأما إنه يحكم بإسقاط الفداء عنكم ويأمرهم بتركه وإطلاقكم مجاناً بما يعلم في قلوبكم من خير وإيمان كنتم تكتمونه فلا تطمعوا فيه لأن ذلك يفتح باب الدعاوى الباطلة المانعة من الغنائم الموهنة للدين؛ قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر في سيرته‏:‏ قال ابن عباس وسعيد بن المسيب‏:‏

«كان العباس رضي الله عنه في الأسرى فقال له رسول صلى الله عليه وسلم‏:‏ افد نفسك وابني أخيك عقيلاً ونوفلاً وخليتك فإنك ذو مال، فقال‏:‏ يارسول الله‏!‏ إني كنت مسلماً ولكن القوم استكرهوني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ الله أعلم بإسلامك، إن كان حقاً ما تقول فالله يجزيك به، وأما ظاهر أمرك فقد كان علينا، قال‏:‏ ليس لي مال، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ وأين المال الذي وضعت عند أم الفضل حين خرجت وليس معك أحد‏؟‏ ثم قلت‏:‏ إن أصبت في سفري هذا فأعطي الفضل كذا وعبد الله كذا‏!‏ فقال‏:‏ والذي بعثك بالحق‏!‏ ما علم بهذا أحد غيري وغيرها، ففدى نفسه بمائة أوقية وكل واحد بأربعين أوقية وقال‏:‏ تركتني أسأل الناس، وأسلم وأمر عقيلاً فأسلم، ولم يسلم من الأساري غيرهما»‏.‏

ولما كان التقدير‏:‏ فإن صدقوك وقبلوا- بشرى الله، وفي لهم، عطف عليه قوله‏:‏ ‏{‏وإن يريدوا‏}‏ أي الأسرى والكفار كلهم أو واحد منهم كأبي عزة ‏{‏خيانتك‏}‏ أي وأنت أعلى الخلق في عهد من إسلام أو غيره يوثقونه لك ترضى به في المن على أحد منهم، بغير فداء، يرد الله أن يكون وبال ذلك راجعاً إليهم فيمكن منهم، فلا تخش من أمرهم ‏{‏فقد خانوا الله‏}‏ أي الملك الأعظم؛ ولما كانت خيانتهم غير مستغرقة للزمن، أدخل الجار فقال‏:‏ ‏{‏من قبل‏}‏ أي من قبل هذا الوقت بالكفر وغيره من أنواع الفسق ‏{‏فأمكن‏}‏ أي فأوجد الإمكان منهم، وقصره ليدل على أنهم صاروا سلماً لكل أحد ‏{‏منهم‏}‏ أي يوم بدر بسبب خيانتهم، فمثل ما أمكن منهم عند وقوع الخيانة سيمكنك منهم إذا أرادوا الخيانة، فإن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ‏{‏والله‏}‏ أي الذي له الإحاطة بكل شيء ‏{‏عليم‏}‏ أي بالغ العلم مطلقاً فهو يعلم الأشياء كلها التي منها أحوالهم ‏{‏حكيم*‏}‏ أي بالغ الحكمة فهو يتيقن كل ما يريده فهو يوهن كيدهم ويتقن ما يقابلهم به فيلحقهم لا محالة، وكذا فعل سبحانه في أبي عزة الجمحي فإنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم في المن عليه بغير شيء لفقره وعياله وعاهده على أن لا يظاهر عليه أحداً ومدحه ثم خان فظهر به في غزوة حمراء الأسد عقب يوم أحد أسيراً، فاعتذر له وسأله في العفو عنه فقال‏:‏ ألا تمسح عارضيك بمكة وتقول‏:‏ سخرت بمحمد مرتين، لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين، وأمر به فضربت عنقه، وقال أبو حيان في الخيانه‏:‏ هي كونهم اظهر بعضهم الإسلام ثم رجعوا إلى دينهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏72- 73‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ‏(‏72‏)‏ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ‏(‏73‏)‏‏}‏

ولما بين للأسرى أن الخير الذي لم يطلع عليه من قلوبهم غير الله لا ينفعهم في إسقاط الفداء عنهم لأنه لا دليل عليه، وكل ما لا دليل عليه فحكمه حكم العدم، لأن مبنى الشرع على ما يمكن المكلف معرفته وهو الظواهر، وختم بصفتي العلم والحكمة، شرع يبين الخبر الذي يفيد القرب الذي تنبني عليه المناصرة وكل خير، فقال مقسماً أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أربعة أقسام‏:‏ قسم جمع الإيمان والهجرة أولاً والجهاد، وقسم آوى، وقسم آمن ولم يهاجر، وقسم هاجر من بعد‏:‏ ‏{‏إن الذين آمنوا‏}‏ أي بالله ورسوله ‏{‏وهاجروا‏}‏ أي واقعوا الهجرة من بلاد الشرك، وهم المهاجرون الأولون، هجروا أوطانهم وعشائرهم وأحبابهم حباً لله ورسوله صلى الله عليه وسلم ‏{‏وجاهدوا‏}‏ أي واقعوا الجهاد، وهو بذل الجهد في توهين الكفر وأهله‏.‏

ولما كانت الآيات المتقدمه في آلات الجهاد من النفس والمال تارة بالحث على إنفاقه وأخرى بالنهي عن حبه وتارة بالتسلية للأسرى عند فقده، كان الأنسب تقديم قوله‏:‏ ‏{‏بأموالهم‏}‏ أي بإنفاقهم لها في الجهاد وتضييع بعضها بالهجرة من الديار والنخيل وغيرها ‏{‏وأنفسهم‏}‏ بإقدامهم على القتال مع شدة الأعداء وكثرتهم؛ وقدم المال لأنه سبب قيام النفس، وكان في غاية العزة في أول الأمر، وأخر قوله‏:‏ ‏{‏في سبيل الله‏}‏ أي الملك الأعظم لذلك، «وفي» سببية أي جاهدوا بسببه حتى لا يصد عنه صاد فتظهر محاسنه ويسهل المرور فيه من غير قاطع، ولعله عبر ب «في» إعلاماً بأنه ينبغي أن يكون متمكناً من السبيل تمكن المظروف من ظرفه حتى يكون الدين غالباً عليه لا يخرج عنه بوجه من الوجوه، وأما في سورة براءة فلما كان السياق في بعض الأماكن بها للسبيل قدم- كما سيأتي، وأيضاً فإن هذه السورة نزلت في أوائل الأمر بعد وقعه بدر في السنة الثانية من الهجرة، وكان الحال إذ ذاك شديداً جداً، والأموال في غاية القلة، والأعداء لا يحصون، فناسب الاهتمام بشأن المال والنفس فقدما ترغيباً في بذلهما، وأما براءة فنزلت في غزوة تبوك في أواخر سنة تسع، فكان المال قد اتسع، والدين قد عز وضخم وقوي وعظم، وأسلم غالب الناس، فبعدت مواضع الجهاد فعظمت المشقة، وتواكل الناس بعضهم على بعض ورغبوا في الإقبال على إصلاح الأموال، فناسب البداءة هناك بالسبيل‏.‏

ولما ذكر أهل الهجرة الأولى، أتبعهم أهل النصرة، وهم القسم الثاني من المؤمنين الذين كانوا على زمنه صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏{‏والذين آووا‏}‏ أي من هاجر إليهم من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم فأسكنوهم في ديارهم، وقسموا لهم من أموالهم، وعرضوا عليهم أن ينزلوا لهم عن بعض نسائهم ليتزوجوهن، وأنما قصر الفعل إشارة إلى تعظيم فعلهم بحيث كأنه لا إيواء في الوجود غير ما فعلوا، وكذا قوله‏:‏ ‏{‏ونصروا‏}‏ أي الله ورسوله والمؤمنين، وهم الأنصار رضي الله عنهم، حازوا هذين الوصفين الشريفين فكانوا في الذروة من كلتي الحسنيين، ولولا إيواؤهم ونصرهم لما تم المقصود، والمهاجرون الأولون أعلى منهم لسبقهم في الإيمان الذي هو رئيس الفضائل ولحملهم الأذى من الكفار زماناً طويلاً وصبرهم على فرقة الأوطان والعشائر‏.‏

وأشار إلى القسمين بأداة البعد لعلو مقامهم وعز مرامهم فقال‏:‏ ‏{‏أولئك‏}‏ أي العالو الرتبة ‏{‏بعضهم أولياء بعض‏}‏ أي في الميراث دون القرب العاري عن ذلك، فبين أن الإيمان إن لم يقترن بشهيدين هما الهجرة والجهاد من الغرب عن المدينة وشهيدين هما الإيواء والنصرة من أهل المدينة، كان عائقاً عن مطلق القرب بل مانعاً من نفوذ لحمه النسب كل النفوذ، فكأن من آمن ولم يهاجر لم يرث ممن هاجر قاله ابن عباس رضي الله عنهما، ومادة ولي بجميع تصاريفها ترجع إلى الميل، ويلزم منه القرب والبعد، وربما نشأ عن كل منهما الشدة، وترتيب ولي بخصوصه يدور على القرب، ومن لوازمه النصرة، فالمعنى بعضهم أقرباء بعض، يلزم كلاً منهم في حق الآخر من المناصرة وغيره ما يلزم القريب لقريبه، فمتى جمعهم وصف جعلهم شركاء فيما يثمره، فوصف الحضور في غزوة يشرك بينهم في الغنائم، لأن أنواع الجهاد كثيرة، وكل واحد منهم باشر بعضها، فعن حضور الكل نشأت النصرة، والمهاجر في الأصل من فارق الكفار بقلبه ولاواهم، ورافق المؤمنين بحبه ولبه ووالاهم، لكن لما كان هذا قد يخفى، نيط الأمر بالمظنة وهي الدار، لأنها أمر ظاهر، فصار المهاجر من باعد دار المشركين فراراً بدينه، ثم صار شرط ذلك بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون النقلة إلى دار هجرته‏:‏ المدينة الشريفة هذا حكم كل مهاجر إلا ما كان من خزاعة فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد علم من مؤمنهم وكافرهم حبه ونصحه وبغض عدوه فلم يلزم مؤمنهم النقلة؛ قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البر في كتاب المدخل إلى الاستيعاب؛ ويقال لخزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم حلفاء بني هاشم وقد أدخلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتاب القضية عام الحديبية- إلى أن قال‏:‏ وأعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم منزلة لم يعطها أحداً من الناس أن جعلهم مهاجرين بأرضهم وكتب لهم بذلك كتاباً- انتهى‏.‏ وقال شاعرهم نجيد بن عمران الخزاعي يفخر بذلك وغيره مما خصهم الله به على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏

وقد أنشأ الله السحاب بنصرنا *** ركام سحاب الهيدب المتراكب

وهجرتنا في أرضنا عندنا بها *** كتاب أتى من خير ممل وكاتب

ومن أجلنا حلت بمكة حرمة *** لندرك ثأراً بالسيوف القواضب

ذكر ذلك الحافظ أبو الربيع بن سالم الكلاعي في غزوة الفتح من سيرته، والذي تولى حلفهم أولاً هو عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم، قال الواقدي في أول غزوة الفتح‏:‏ وكانت خزاعة حلفاء لعبد المطلب، وكان رسول صلى الله عليه وسلم بذلك عارفاً، لقد جاءته يومئذ- يعني يوم الحديبية- خزاعة بكتاب عبد المطلب فقرأه وهو «باسمك اللهم هذا حلف عبد المطلب بن هاشم لخزاعة إذ قدم عليه وسراتهم وأهل الرأي، غائبهم مقر بما قضى عليه شاهدهم، إن بيننا وبينكم عهد الله وعقوده، ما لا ينسى أبداً، اليد واحدة والنصر واحد، ما أشرف ثبير وثبت حراء، وما بل بحر صوفة، لا يزداد فيما بيننا وبينكم إلا تجدداً أبداً أبداً، الدهر سرمداً» فقرأة عليه أبيّ بن كعب رضي الله عنه فقال‏:‏ «ما أعرفني بحلفكم وأنتم على ما أسلمتم عليه من الحلف، وكل حلف كان في الجاهلية فلا يزيده الإسلام إلا شدة، ولا حلف في الإسلام»؛ قال الواقدي‏:‏ «وجاءته أسلم هو بغدير الأشطاط» جاء بهم بريده بن الحصيب فقال‏:‏ يارسول الله هذه أسلم وهذه محالّها وقد هاجر إليك من هاجر منها وبقي قوم منهم في مواشيهم ومعاشهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أنتم مهاجرون حيث كنتم، ودعاء العلاء بن الحضرمي فأمره أن يكتب لهم كتاباً فكتب «هذا كتاب من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأسلم لمن آمن منهم بالله وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، فإنه آمن بأمان الله، وله ذمة الله وذمة رسوله، وإن أمرنا وأمركم واحد على من دهمنا من الناس بظلم، اليد واحدة والنصر واحد، ولأهل باديتهم مثل ما لأهل قرارهم وهم مهاجرون حيث كانوا» وكتب العلاء بن الحضرمي فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه‏:‏ يا رسول الله‏!‏ نعم الرجل بريدة بن الحصيب لقومه عظيم البركة عليهم، مررنا به ليلة مررنا ونحن مهاجرون إلى المدينة، فأسلم وأسلم معه من قومه من أسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ نعم الرجل بريدة لقومه وغير قومه يا أبا بكر إن خير القوم من كان مدافعاً عن قومه ما لم يأثم، فإنة الإثم لا خير فيه «انتهى‏.‏ وأسلم شعب من أربعة شعوب من خزاعة‏.‏ ولما فتحت مكة، انقطعت الهجرة لظهور الدين وضعف المشركين، وقام مقام الهجرة النية الخالصة المدلول عليها بالجهاد كما قال صلى الله عليه وسلم» لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية «وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏

«المهاجر من هجر ما نهى الله عنه» فإن كان المؤمن لا يتمكن من إظهار دينه وجبت عليه النقلة‏.‏

ولما بين سبحانه تعالى أمر من جمع الشروط، شرع يبين حكم من قعد عن بعضها وهو القسم الثالث فقال؛ ‏{‏والذين آمنوا‏}‏ أي اشتهر إيمانهم ‏{‏ولم يهاجروا‏}‏ أي قبل الفتح بل استمروا في بلادهم ‏{‏ما لكم من ولايتهم‏}‏ وأغرق في النفي فقال‏:‏ ‏{‏من شيء‏}‏ أي في التوارث ولا في غيره؛ ورغبهم في الهجرة بقوله‏:‏ ‏{‏حتى يهاجروا‏}‏ أي يواقعوا الهجرة لدار الشرك ومن فيها ‏{‏وإن استنصروكم‏}‏ أي طلبوا نصركم ‏{‏في الدين‏}‏ أي بسبب أمر من أموره وهم متمكنون من الدين تمكن المظروف من الظرف ‏{‏فعليكم النصر‏}‏ أي واجب عليكم أن تنصروهم على المشركين، فالمعنى أنه ليس لهم عليكم حق القريب إلا في الاستنصار في الدين، فإن ترك نصرهم يجر إلى مفسدة كما أن موالاتهم تجر إلى مفاسد؛ ثم استثنى من الوجوب فقال‏:‏ ‏{‏إلا على قوم‏}‏ وقع وكان ‏{‏بينكم وبينهم ميثاق‏}‏ أي لأن استنصارهم يوقع بين مفسدتين‏:‏ ترك نصرة المؤمن ونقض العهد وهو أعظمهما فقدمت مراعاته وتركت نصرتهم، فإن نصرهم الله على الكفار فهو المراد من غير أن تدنسوا بنقض، وإن نصر الكفار حصل لمن قتل من إخوانكم الشهادة ولمن بقي الضمان بالكفاية، وكان ذلك داعياً لهم إلى الهجرة، ومن ارتد منهم أبعده الله ولن يضر إلا نفسه والله غنى حميد، فقد وقع- كما ترى- تقسيم المؤمنين إلى ثلاثة أقسام‏:‏ أعلاها المهاجر، ويليه الناصر، وأدناها القاعد القاصر، وبقي قسم رابع ياتي؛ قال أبو حيان‏:‏ فبدأ بالمهاجرين- أي الأولين- لأنهم أصل الإسلام وأول من استجاب لله تعالى، فهاجر قوم إلى المدنية، وقوم إلى الحبشة، وقوم إلى ابن ذي يزن، ثم هاجروا إلى المدينة وكانوا قدوة لغيرهم في الإيمان وسبب تقوية الدين «من سنَّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامه» وثنى بالأنصار لأنهم ساووهم في الإيمان وفي الجهاد بالنفس والمال، لكنه عادل بالهجرة الإيواء والنصرة، وانفرد المهاجرون بالسبق، وذكر ثالثاً من آمن ولم ينصر، ففاتهم هاتان الفضيلتان وحرموا الولاية حتى يهاجروا، ثم قال‏:‏ آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، فكان المهاجري يرثه أخوه الأنصاري إذا لم يكن له بالمدينة ولي مهاجري، ولا توارث بينه وبين قريبه المسلم غير المهاجري، قال ابن زيد‏:‏ واستمر أمرهم كذلك إلى فتح مكة- انتهى‏.‏ لكن ما ذكر ابن عبد البر- كما سيأتي- من أن حكم ذلك زال بوقعه بدر أولى للآية الآتية آخر السورة مع ما يؤيد ذلك من آية الأحزاب‏.‏

ولما كان التقدير‏:‏ فالله بمصالحكم خبير، وكان للنفوس دواع إلى مناصرة الأقارب والأحباب ومعاداة غيرهم خفية، ولها دسائس تدرك، حذر من ذلك بقوله عاطفاً على هذا المقدر‏:‏ ‏{‏والله‏}‏ أي المحيط علماً وقدرة، ولما كان السياق لبيان المصالح التي تنظم الدين وتهدم ما عداه، وكان للنفوس- كما تقدم- أحوال، اقتضى تأكيد العلم بالخفايا فقدم الجار الدال على الاختصاص الذي هو هنا كناية عن إحاطة العلم فقط مرهباً‏:‏ ‏{‏بما تعملون بصير*‏}‏ وفي ذلك أيضاً ترغيب في العمل بما حث عليه من الإيمان والهجرة والنصرة والإنفاق والتحري في جميع من ذلك وترهيب من العمل بأضدادها، وفي «البصير» إشارة إلى العلم بما يكون من ذلك خالصاً أو مشوباً، ففيه مزيد حث على الإخلاص‏.‏

ولما بين شرط موالاة المسلم، بين مولاة الكافر وما يجب من مناظرتهم ومباراتهم فيها، وأنه لا شرط لها غير مطلق الكفر فإنه وإن اختلفت أنواعه وتباعدت أنحاؤه- يجمعه عداوة الله وولاية الشيطان فقال‏:‏ ‏{‏والذين كفروا‏}‏ أي أوجدوا هذا الوصف على أي حال كانوا فيه ‏{‏بعضهم أولياء بعض‏}‏ أي في الميراث والنصرة وغيرهما، وهو خبر محض مشير إلى نهي المسلم عن موالاتهم، وأما الذي مضى في حق المؤمنين فهو أمر في صورة الخبر وصيغته، يعني أن في كل من الكفار قوة الموالاة للآخر عليكم والميل العظيم الحاث لهم على المسارعة في ذلك وإن اشتدت عداوة بعضهم لبعض لأنكم حزب وهم حزب، يجمعهم داعي الشيطان بوصف الكفران كما يجمعكم داعي الرحمن بوصف الإيمان، قال أبو حيان‏:‏ كانوا قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم يعادي أهل الكتاب منهم قريشاً ويتربصون بهم الدوائر، فصاروا بعد بعثه النبي صلى الله عليه وسلم يوالي بعضاً وإلباً واحداً على رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى‏.‏ وما ذكره مذكور في السير مشهور عند أهل الأثر ‏{‏إلا تفعلوه‏}‏ أي مثله من تولي المؤمنين ومعاداة الكافرين كما يفعل الكفار بالتعاضد والتعاون بالنفس والمال كما أرصدوا مال العير الذي فاتكم حتى استعانوا به على قتالكم في أحد، فاللائق بكم أن تكونوا أعظم منهم في ذلك، لأنهم يريدون بذلك رم واهي دنياهم الفانية وأنتم تبنون آخرتكم الباقية، وداعيكم ولي غنى وداعيهم عدو دنى فضلاً عن أن تنزلوا إلى حضيض التنازع في الغنائم ‏{‏تكن فتنة‏}‏ أي عظيمة ‏{‏في الأرض‏}‏ اي خلطة مميلة للمقاصد عن وجوهها ‏{‏وفساد كبير*‏}‏ أي ينشأ عن تلك الفتنة، والكبير ناظر إلى العظم، وقرئ شاذاً بالمثلثة فيكون عظمة حينئذ مخصوصاً بالأنواع، وبيان الفساد أنه إذا قارب المؤمن الكافر والكافر المؤمن وتناصروا أو ترك المؤمنون التناصر فيما بينهم انخّل النظام فاختل كل من النقض والإبرام، فاختلف الكلام فتباعدت القلوب، فتزايدت الكروب، فالواجب عليكم أن تكونوا إلباً واحداً ويداً واحدة في الموالاة وتقاطعوا الكفار بكل اعتبار ليقوم أمركم وتطيب حياتكم، وتصلح غاية الصلاح دنياكم وآخرتكم، والآية شاملة لكل ما يسمى تولياً حتى في الإرث وقتال الكفار ومدافعة المسلمين بالأمر والإنكار، ولما ترك بعض العلماء إعانة بعض فئة حصل ما خوف الله تعالى منه من الفتنة والفساد حتى صار الأمر إلى ما ترى من علو المفسدين وضعف أهل الدين، فالأمر بالمعروف فيهم في غاية الذل والغربة، يرد عليه أدنى الناس فلا يجد له ناصراً، ويجد ذلك الآخر له على الرد أعواناً كثيرة، وصار أحسن الناس حالاً مع الأمراء وأعظمهم له محبة من يقنع بلومه على فعله ظناً منه أن ذلك شفقة عليه- والله المستعان‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏74- 75‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ‏(‏74‏)‏ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ‏(‏75‏)‏‏}‏

ولما تقدمت أنواع المؤمنين‏:‏ المهاجر والناصر والقاعد، وذكر أحكام موالاتهم، أخذ يبين تفاوتهم في الفضل فقال‏:‏ ‏{‏والذين آمنوا‏}‏ أي بالله وما أتى منه ‏{‏وهاجروا‏}‏ أي فيه من يعاديه سابقين مع نبيه صلى الله عليه وسلم ‏{‏وجاهدوا‏}‏ أي بما تقدم من المال والنفس أو بأحدهما ‏{‏في سبيل الله‏}‏ أي الذي له صفات الكمال فبذلوا الجهد في إذلالهم كما بذل الأعداء الجهد في إذلالهم، ولم يذكر آلة الجهاد لأنها- مع تقدم ذكرها لازمة ‏{‏والذين آووا‏}‏ أي من هاجر إليهم ‏{‏ونصروا‏}‏ أي حزب الله، وأعلم بقوله‏:‏ ‏{‏أولئك‏}‏ أي الصنفين الأولين خاصة ‏{‏هم المؤمنون حقاً‏}‏ أي حق الإيمان، لأنهم حققوا أيمانهم‏:‏ المهاجر بالانسلاخ من كل ما يحبه من الأمور الدنيوية، والناصر من جميع أهل الكفر بإيواء أهل الله ونصرتهم‏.‏

ولما بين وصفهم، بين ما حباهم به بقوله دالاً على أن الإنسان محل النقصان، فهو- وإن اجتهد حتى كان من القسم الأعلى- لا ينفك عن مواقعة ما يحتاج فيه إلى الغفران‏:‏ ‏{‏لهم مغفرة‏}‏ أي لزلاتهم وهفواتهم، لأن مبنى الآدمي على العجز اللازم عنه التقصير وإن اجتهد، والدين متين فلن يشاده أحد إلا غلبه؛ ولما ذكر تطهيرهم بالمغفرة، ذكر تزكيتهم بالرحمة فقال‏:‏ ‏{‏ورزق‏}‏ أي من الغنائم وغيرها في الدنيا والآخرة ‏{‏كريم*‏}‏ أي لا كدر فيه بوجه، لا في قطعه ولا في نقصانه ولا في شيء من شأنه‏.‏

ولما حصر المؤمنين حقاً في الموصوفين، بين أن من ترك ما هو عليه من لزوم دار الكفر والقعود عن الجهاد، لحق بمطلق درجتهم وإن كانوا فيها أعلى منه فقال ذاكراً القسم الرابع‏:‏ ‏{‏والذين آمنوا‏}‏ ولما كانوا قد تأخروا عن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم مدة، أدخل الجار فقال‏:‏ ‏{‏من بعد‏}‏ أي من بعد تأخر إيمانهم عن السابقين ‏{‏وهاجروا‏}‏ أي لاحقين للسابقين، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنهم من هاجر بعد الحديبية، قال‏:‏ وهي الهجرة الثانية ‏{‏وجاهدوا معكم‏}‏ أي من تجاهدونه من حزب الشيطان ‏{‏فأولئك منكم‏}‏ أي لهم ما لكم وعليهم ما عليكم من المواريث والمغانم وغيرها، لأن الوصف الجامع هو المدار للأحكام وإن تأخرت رتبتهم عنكم كما أفهمته أداة البعد‏.‏

ولما بين أنهم منهم، بين أنه متى جمعهم الوصف المحصل للولاية، كان القرب في الرحم أولى من غيره فقال‏:‏ ‏{‏وأولو الأرحام‏}‏ أي من المؤمنين الموصوفين ‏{‏بعضهم أولى ببعض‏}‏ أي في الإرث وغيره من المتصفين بولاية الدين الخالية عن الرحم ‏{‏في كتاب الله‏}‏ أي القرآن أو في حكمه وقسمه الذي أنزله إليكم الملك الأعظم في آيات الإرث، وهي مقيدة بالعصبات فنسخت الولاية فلا دلالة على توريث غيرهم، وذكر ابن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة المنذر بن عمرو أن بدراً قطعت المواخاة بين الصحابة رضي الله عنهم، يعني فتكون هذه الآية ناسخة آية ‏{‏بعضهم أولياء بعض‏}‏ وتكون تلك حينئذ مبينة أمر ما كان قبل غزوة بدر- وهو حسن، والآية التي في سورة الأحزاب مؤيدة له، ثم علل سبحانه ما ذكر بما يرغب فيه فقال‏:‏ ‏{‏إن الله‏}‏ أي الذي له صفات الكمال كلها ‏{‏بكل شيء عليم*‏}‏ فهو يعلم أن هذا هو الذي تدور عليه المصلحة وتدوم به الألفة كما علم في أول الأمر أن نوط الإرث وغيره من لوازم القرب بالأخوة الإسلامية أولى لما في ذلك من تكثير قلتكم ونصر ذلتكم وجمع شتاتكم وجعل ما بينكم من الأخوة كلحمة النسب، فأما الآن فقد ضرب الدين بجرانه، وثبت بقواعده وأركانه، وولى الكفر بسلطانه، ونكص مدبراً بأعوانه، فتوارثوا بالإسلام والقرابة وتقاطعوا الكفار، وقربوا وبعدوا، وانحازوا عنهم كما انحازو عنكم، وتبرؤوا منهم كما تبرؤوا منكم، فقد انطبق آخر السورة بالإعراض عن الدنيا وإصلاح ذات البين وبيان المؤمنين حقاً وتقليد العليم في جميع الأعمال من غير اعتراض- على أولها، وببيان من يوالي ومن يعادي على أول براءة- والله الموفق‏.‏

سورة التوبة

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 2‏]‏

‏{‏بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ‏(‏1‏)‏ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ ‏(‏2‏)‏‏}‏

‏{‏براءة‏}‏ أي عظيمة، ثم وصفها بقوله‏:‏ ‏{‏من‏}‏ أي حاصلة واصلة من ‏{‏الله‏}‏ أي المحيط بصفات الكمال، فهو العالم بمن يستحق الولاية ومن يستحق البراءة ‏{‏ورسوله‏}‏ أي المتابع لأمره لعلمه به‏.‏

ولما كانوا قد توقفوا في الحديبية كلهم أو كثير منهم تارة في نفس العهد وتارة في التأخر عن الأمر بالحلق، ثم تابعوا في كل منهما، وكان الكفار بمحل البعد عن كل خير، أشار إلى ذلك بأداة الغاية، وجعل الرسول صلى الله عليه وسلم مع الله إشارة إلى أنه لا يخالفه أصلاً، وأسندت المعاهدة إليهم إشارة إلى ذلك التوقف تحذيراً من أن يقع مثله، فقال مخبراً عن النبذ الموصوف‏:‏ ‏{‏إلى الذين عاهدتم‏}‏ أي أوقعتم العهد بينكم وبينهم ‏{‏من المشركين*‏}‏ أي وإن كانت معاهدتكم لهم إنما كانت بإذن من الله ورسوله، فكما فعلتم المعاهدة بإذنهما فافعلوا النقض تبعاً لهما، ودل سياق الكلام وما حواه من بديع الانتظام أن العهد إنما هو لأجل المؤمنين، وأما الله ورسوله فغنيان عن ذلك، أما الله فبالغنى المطلق، وأما الرسول صلى الله عليه وسلم فبالذي اختاره للرسالة لأنه ما فعل ذلك به إلا وهو قادر على نصره بسبب وبغير سبب، وعلم أن ذلك فيمن نقض أو قارب من قوله بعد ‏{‏إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً‏}‏- الآية؛ قال البغوي‏:‏ لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك كان المنافقون يرجفون الأراجيف، وجعل المشركون ينقضون عهوداً كانت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر الله بنقض عهودهم وذلك قوله تعالى ‏{‏وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 58‏]‏ انتهى‏.‏ وذكر ذلك ابن إسحاق وغيره، ولعله أطلق هنا ولم يقيد ممن خيف نقضه ليكون ذلك أول السورة مؤذناً بأن الخيانة وهم بالنقض شأن أكثرهم ولا سيما مشركو قريش، وهم- لكون قريش رؤوس الناس والناس تبع لهم في الخير والشر- يستحقون أن يعبر عنهم بما يفهم الكل ومبنى هذه السورة على البراءة من المشركين والموالاة للمؤمنين الدال على إيمانهم طاعة الله بالصلاة والزكاة والجهاد لمن أمر بالبراءة منه قل أو كثر قرب أو بعد في المنشط والمكره والعسر واليسر‏.‏

ولما كان ظاهر الحال وقت تكامل نزولها- وهو شوال أو ذو العقدة أو ذو الحجة سنة تسع بعد مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك- أن الحرب قد وضعت أوزارها وأطفئت نارهم ببسط الإسلام في الخاص والعام، وما بين اليمن والشام، وانتشار ألويته وأعلامه، وتأيد رئيسه وإمامه بقهر جيوش الكفار، وقصد الناس له بالاتباع من جميع الأمصار، أكد أمر الجهاد ومصادمة الأنداد في هذه السورة تأكيداً لم يؤكد في غيرها؛ ذكر الواقدي في أواخر غزوة تبوك كلاماً ثم قال‏:‏ قالو‏:‏ وقدم رسول الله صلى لله عليه وسلم المدينة- يعني من غزوة تبوك- في رمضان سنة تسع ثم قال‏:‏ وجعل المسلمون يبيعون أسلحتهم ويقولون‏:‏ قد انقطع الجهاد، فجعل القوي منهم يشتريها لفضل قوته، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاهم عن ذلك وقال‏:‏

«لا تزال عصابة من أمتي يجاهدون على الحق حتى يخرج الدجال» وإنما قلت‏:‏ إن تكامل نزولها كان في شوال أو في ذي القعدة أو في ذي الحجة لأن البغوي نقل عن الزهري أن أولها نزل في شوال، وقال ابن إسحاق- ونقله عنه البيهقي في دلائل النبوة-‏:‏ ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد منصرفه من تبوك بقية شهر رمضان وشوالاً وذا القعدة ثم بعث أبا بكر رضي الله عنه أميراً على الحج في سنة تسع ليقيم للمؤمنين حجهم والناس من أهل الشرك على منازلهم من حجهم- وأسند البيهقي في دلائله إلى عروة قال‏:‏ فلما أنشأ الناس الحج تمام سنة تسع بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أميراً على الناس وكتب له سنن الحج- انتهى‏.‏ فخرج أبو بكر والمؤمنون رضي الله عنهم ونزلت براءة في نقض ما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين من العهد الذي كانوا عليه فيما بينهم وبينه أن لا يصد عن البيت أحد جاءه ولا يخاف أحد في الشهر الحرام؛ وكان ذلك عهداً عاماً بينه وبين الناس من أهل الشرك؛ ونقل أبو محمد البستي عنه أنه قال‏:‏ فكانت هذه المدة والعهد الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين العرب أنه لا يصد أحد عن البيت ولا يتعرض لحاج ولا معتمر، ولا يقاتل في الشهر الحرام؛ وكان أماناً مستفيضاً من بعضهم لبعض على غير مدة معلومة؛ رجُع إلى ما رأيته أنا في سيرته‏:‏ وكانت بين ذلك عهود بين رسوله صلى الله عليه وسلم وبين قبائل من العرب خصائص إلى آجال مسماة فنزلت فيه وفيمن تخلف من المنافقين عنه في تبوك وفي قول من قال منهم، فكشف الله فيها سرائر أقوام كانوا يستخفون بغير ما يظهرون؛ ثم قال ابن هشام‏:‏ قال ابن إسحاق‏:‏ وحدثني حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف عن أبي جعفر محمد بن علي أنه قال‏:‏ «لما نزلت براءة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان بعث أبا بكر الصديق رضي الله عنه ليقيم للناس الحج قيل له‏:‏ يارسول الله‏!‏ لو بعثت بها إلى أبي بكر‏!‏ فقال‏:‏ لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي، ثم دعا علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال له‏:‏ اخرج بهذه القصة من صدر براءة فأذن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى أنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يجح بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو له إلى مدته»

فهذا فيه أنها نزلت بعد سفر أبي بكر رضي الله عنه، وإنما قيدت أنا بتكامل نزولها لأنه ورد أن الذي في النقض فبعث به علياً رضي الله عنه إنما هو عشر آيات أو سبع، وفي بعض الروايات التصريح بنزولها قبل سفر أبي بكر رضي الله عنه، ففي زيادات مسند الإمام أحمد عن علي رضي الله عنه قال‏:‏ «لما نزلت عشر آيات من براءة على النبي صلى الله عليه وسلم دعا أبا بكر رضي الله عنه فبعثه بها ليقرأها على أهل مكة، ثم دعاني النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ أدرك أبا بكر، فحيث ما لحقته فخذ الكتاب منه فاذهب به إلى أهل مكة فاقرأه عليهم- فذكره، وفيه أن أبا بكر رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم بعدما رجع‏:‏ أنزل فيّ شيء‏؟‏ قال‏:‏ لا، ولكن جبريل عليه السلام جاءني فقال‏:‏ لن يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك» ونقل البغوي عن ابن إسحاق أنه صلى الله عليه وسلم بعث مع أبي بكر بأربعين آية من صدر سورة براءة ليقرأها على أهل الموسم، ثم بعث بعده علياً على ناقته الغضباء ليقرأ على الناس صدر براءة وأمره أن يؤذن بمكة ومنى وعرفة‏.‏ وفيه أن أبا بكر رضي الله عنه قال‏:‏ يا رسول الله‏!‏ أنزل في شأني شيء‏؟‏قال‏:‏ «لا، ولكن لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا الأمر إلا رجل من أهلي» فتبين أن الأول من إطلاق الكل على الجزء لا سيما وهو الذي فيه البراءة، وما سميت السورة براءة إلا به؛ وأن المعنى‏:‏ لا يؤدي عني في العهود، لا مطلقاً، فقد أرسل رسلاً للأداء عنه من غير أهل بيته؛ وقال المهدوي في تفسير ‏{‏فسيحوا في الأرض‏}‏‏:‏ وروي أن هذه الآية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم بعد خروج أبي بكر بالناس ليحج بهم سنة تسع، فبعث بها النبي صلى الله صلى عليه وسلم علياً رضي الله عنه ليتلوها على الناس بالموضع الذي يجتمع فيه الفريقان وهو منى، وأمره أن ينادي‏:‏ أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، فنادى عليّ وأعانه أبو هريرة وغيره رضي الله عنهم، وكان على مكة حينئذ عتاب بن أسيد رضي الله عنه، استخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح وهو عام ثمان، وكان حج عتاب وأبي بكر سنة تسع في ذي العقدة- كذا قال وسيأتي بيان بطلانه، وتقدم خلافه عن ابن إسحاق في دلائل النبوة؛ وقال الإمام أبو محمد إسحاق بن إبراهيم البستي القاضي في تفسيره‏:‏ حدثنا قتيبة عن الحجاج عن ابن جريج عن مجاهد قال‏:‏ أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرغ من تبوك فأراد الحج فقال‏:‏ إنه يحضر البيت المشركون يطوفون عراة فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك، فأرسل أبا بكر وعلياً رضي الله عنهما، فطافا في الناس بذي المجاز وبأمكنتهم التي كانوا يتبايعون بها كلها وبالموسم كله، وآذنوا أصحاب العهد بأن يأمنوا أربعة أشهر- يعني اشهر الحرم المنسلخات المتواليات‏:‏ عشرون من آخر ذي الحجة إلى عشر يخلون من ربيع الآخر، ثم لا عهد لهم، فآذن الناس كلهم بالقتال إلا أن يؤمنوا، فآمن الناس أجمعون‏.‏

وفي سيرة ابن إسحاق‏:‏ حدثنا يونس- يعني ابن بكير- عن أسباط بن نصر الهمداني عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي ‏{‏فسيحوا في الأرض أربعة أشهر‏}‏ قال‏:‏ عشرين من ذي الحجة إلى عشر من ربيع الآخر ثم لا أمان لأحد ولا عهد إلى السيف أو الإسلام؛ وقال ابن هشام‏:‏ حتى إذا كان يوم النحر قام علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأذن في الناس بالذي أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجل الناس أربعة اشهر من يوم أذن فيهم ليرجع كل قوم إلى مأمنهم؛ وللترمذي عن زيد بن أثيع قال‏:‏ سألت علياً رضي الله عنه‏:‏ بأيّ شيء بعثت‏؟‏ قال‏:‏ بأربع‏:‏ لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم هذا، ومن كان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد فعهده إلى مدته ومن لا مدة له فأربعة أشهر‏.‏ ونقل ابن سيد الناس عن ابن عائذ انه لما ضرب للمشركين هذا الأجل قالوا‏:‏ بل الآن لا نبتغي تلك المدة، نبرأ منك ومن ابن عمك إلا بالضرب والطعن؛ فحج الناس عامهم ذلك، فلما رجعوا رغب الله المشركين فدخلوا في الإسلام طوعاً وكرهاً‏.‏ وصدق الله ورسوله فلم يحج بعد ذلك العام مشرك ولم يطف بالبيت عريان‏.‏ وقد وردت نصوص وظواهر في كثير من سورة براءة أنه نزل قبل الرجوع عن تبوك أو قبل الاعتذار، فمن النصوص قوله تعالى ‏{‏لو كان عرضاً قريباً وسفراً قاصداً لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم‏}‏ وقوله ‏{‏فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبداً‏}‏- الآيات، ‏{‏يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم‏}‏ إلى أن قال‏:‏

‏{‏سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 94‏]‏ وأما الظواهر فإن الواقدي قال في سيرته فأنزل من القرآن في غزوة تيوك، ثم ذكر اكثر سورة براءة وقال هو وغيره من أصحاب السير‏:‏ «وكان رهط من المنافقين يسيرون مع النبي صلى الله عليه وسلم في تبوك منهم وديعة بن ثابت- فذكر القصة التي فيها أن بعضهم قال ترهيباً للمؤمنين‏:‏ أتحسبون قتال بني الأصفر كقتال غيرهم‏؟‏ والله لكأنا بكم غداً مقرنين في الحبال، وقال كل منهم شيئاً إلى أن قال‏:‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمار بن ياسر‏:‏ أدرك القوم فإنهم قد احترقوا فسلهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل‏:‏ بلى، قلتم كذا وكذا- إلى أن قال‏:‏ إن بعضهم قال‏:‏ إنما كنا نخوض ونلعب‏!‏ فأنزل الله فيه ‏{‏ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب- إلى قوله- بأنهم كانوا مجرمين‏}‏ ثم قال‏:‏ وجاء الجلاس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلف ما قال من ذلك شيئاً، وكان قد قال‏:‏ إن كان محمد صادقاً فنحن شر من الحمير، فأنزل الله عز وجل فيه ‏{‏يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر‏}‏- إلى آخرها، فاعترف الجلاس حينئذ وتاب وحسنت توبته»، وذكر مسجد الضرار وأن أهله كانوا سألوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو متجهز إلى تبوك أن يصلي لهم فيه فاعتذر إليهم بشغله بالسفر ووعدهم أن يصلي فيه إذا رجع، فلما نزل صلى الله عليه وسلم بذي أوان- قال ابن هشام‏:‏ بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار- أتاه خبره وخبر أهله من السماء، فدعا اثنين من أصحابه فأمرهما به فأحرقاه، وتفرق أهله ونزل فيه من القرآن ما نزل ‏{‏والذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً‏}‏- إلى آخر القصة؛ قال الواقدي‏:‏ وكان عاصم ابن عدي يقول‏:‏ كنا نتجهز إلى تبوك مع النبي صلى الله عليه وسلم فرأيت عبد الله بن نبتل وثعلبة بن حاطب قائمين على المسجد الضرار- إلى أن قال‏:‏ فوالله ما رجعنا من سفرنا حتى نزل القرآن بذمه وذم أهله ‏{‏والذين اتخذوا مسجداً ضراراً‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 107‏]‏- إلى آخرها، ومن ذلك تسميتها بالفاضحة، فلولا نزولها قبل معرفة أخبارهم لم تكن فاضحة، وهي في الظاهر للمعاهدين وفي الباطن مشيرة إلى أهل الردة وأن لا يقبل منهم إيمان ما لم يجمعوا بين الصلاة والزكاة كما فهم أبو بكر رضي الله عنه، وأقيمت على ذلك قرائن منها تكرير الجمع بين الصلاة والزكاة في سياق الإيمان تكريراً لم يكن في غيرها من السور، فهي من أعلام النبوة؛ وروى أبو محمد إسحاق بن إبراهيم القاضي البستي في تفسيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ إن هذا الإسلام ثلاثون سهماً‏:‏ عشر منها في براءة، وعشر في الأحزاب، وعشر في المؤمنين وسأل سائل‏.‏

ولما أعلمهم سبحانه بأنه رد إليهم عهدهم، وكانوا مختلطين مع أهل الإسلام، جعل لهم مخلصاً إن آثروا البقاء على الشرك مع إعلامهم بأنه لا خلاص لهم لأنهم في قبضته، فقال مخاطباً لهم ولكل مشرك مسبباً عن البراءة‏:‏ ‏{‏فسيحوا‏}‏ والسياحة‏:‏ الاتساع في السير والبعد عن المدن والعمارة مع الإقلال من الطعام، والشراب، ولذلك يقال للصائم‏:‏ سائح‏:‏ والمراد هنا مطلق السير‏.‏

ولما كانت السياحة تطلق على غيره، حقق المعنى بقوله‏:‏ ‏{‏في الأرض‏}‏ أي في أيّ جهة شئتم ‏{‏أربعة أشهر‏}‏ أي من أيام الحج، فيكون آخرها عاشر شهر ربيع الآخر، تأمنون فيها أمناً لا نعرض لكم بسوء، بل تذهبون فيها حيث شئتم، أو ترمون حصونكم وتهيئون سلاحكم وتلمون شعثكم لا نغدركم، لأن ديننا مبني على المحاسن، ولولا أن الأمر يتعلق بنفوسنا ما نبذنا عهدكم ولا نقضنا عقدكم، ولكن الخطر في النفس وقد ظهرت منكم أمارات الغدر ولوائح الشر «وعن أيّ نفس بعد نفسي أقاتل» فإذا نقضت الأربعة الشهر فتهيؤوا لقتالنا وتدرعوا لنزالنا‏.‏

ولما كان الإسلام قد ظهر بعد أن كان خفياً، وقوي بعد أن كان ضعيفاً، افتتح وعظهم بالكلمة التي تقال أولاً لمن يراد تقريع سمعه وإيقاظ قلبه وتنبيهه على أن ما بعدها أمر مهم ينبغي مزيد الاعتناء به فقال‏:‏ ‏{‏واعلموا أنكم‏}‏ أي أيها الكفرة وإن كثرتم ‏{‏غير معجزي الله‏}‏ لأن علمه محيط بكل شيء فهو قادر على كل ممكن ‏{‏وأن الله‏}‏ أي لما له من الإحاطة بالجلال والإكرام ‏{‏مخزي الكافرين*‏}‏ أي كلهم منكم ومن غيركم في الدنيا والآخرة لأن قوله قد سبق بذلك، ولا يبدل القول لديه، والإخزاء‏:‏ الإذلال مع إظهار الفضيحة والعار-‏.‏ وأظهر الوصف موضع الضمير تعميماً وتعليقاً للحكم به؛ ولعل الالتفات إلى الخطاب إشارة إلى أن من ترك أمر الله حدباً على قريب أو عشير فهو منهم، وقد برئت منه الذمة، فلينج بنفسه ولا نجاء له، أو يكون لا ستعطاف الكفار تلذيذ الخطاب وترهيبهم بزواجر العقاب‏.‏